• ×
الخميس 7 شوال 1439 | 07-27-1439
تميم بن محمد بن عبدالله الأصنج

إشارات على طريق الاستخلاف


إشارات على طريق الاستخلاف

إنَّ الاستخلاف في الأرض والتمكينَ عليها مطلبُ الجميع، فالكلُّ يبحث عنه، ويسعى له بشتَّى الوسائل والإمكانات، حتى يحقِّقَ من خلاله أهدافَه وغاياتِه، فهي سُنَّة كونيَّة شاءها الله - تعالى - وجعلها لبني آدم منذ أن خلقهم إلى أن يَرِث الأرض ومَن عليها؛ ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... ﴾ الآية [البقرة: 30].

لكن يَبقى الخلافُ قائمًا حول مدى أحقيَّة ومصداقية تلك الأهداف وشرعيَّة وسائلها؛ لأنَّ الله - سبحانه - عندما استخلف آدمَ - عليه السلام - ومِن ورائه ذريتَه، أراد بذلك حِكمةً، وهي تحقيق العبودية لله، وعمارة هذه الأرض، وإصلاحها، وتسخير كلِّ ما فيها للدَّلالة عليه - سبحانه - لا أن يفسد ويسفك فيها الدِّماء؛ ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، وقد قال الله - تعالى - لنبيِّه داود - عليه السلام - منيطًا بدوره في الخلافة: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26]؛ لذا كان هذا هو المعيارَ الحقيقيَّ لِنَيْل الاستخلاف في الأرض وبقائه؛ وبقدر تحقيق أمَّة من الأمم هذا المعيار تكون أهلاً لنَيْل الاستخلاف، وبقدر محافظتها وثباتها على ذلك تدوم لها خلافتُها.

بنو إسرائيل عندما آمنوا لموسى - عليه السلام - وكفروا بفرعون، استحقُّوا بذلك أن يُمكَّنوا في الأرض، ويُستخلفوا فيها؛ قال - تعالى -: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [القصص: 5 ، 6]، ثم يُحقِّق الله لهم ذلك الوعد: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف: 137].

ولكن مع مرور الأيَّام وتعاقُب الأزمان، يتخلَّى بنو إسرائيل عن دَورهم المشاد به في الاستخلاف الحقيقي للأرض؛ ولم يُقدِّموا سوى برامجَ شاملةٍ للفساد والإفساد على كافَّة الجوانب:

ففي الجانب العقدي والإيماني قدَّموا الكفرَ بالله وسبَّه، وقتلَ أنبيائه ورُسله، وفي الجانب الاقتصادي قدَّموا الرِّبا، وأكْلَ السُّحْت، والتحايل على المحرَّمات، وفي الجانب الاجتماعيِّ والأُسريِّ قدَّموا الزِّنا والفاحشة، فعندما فقدوا تلك المؤهلاتِ والمقوماتِ التي تؤهِّللهم لقيادة البشرية، ولم يقدِّموا للأمم والشعوب الذين استُخلفوا عليها برامجَ للإصلاح استحقُّوا عندئذ أن يَسلُبَهم الله - تعالى - تلك المكانةَ العالية، وذلك الوسام الرفيع، فجعلهم من الصَّاغرين بعد أن فضَّلهم على العالَمين، وضرب عليهم الذِّلة والمَسكنة، وحلَّت عليهم اللَّعنة إلى يوم الدِّين.

على إثْر ذلك كله تنتقل الخلافةُ والسيادة إلى أُمَّة الإسلام، فصارتْ خيرَ أمَّة أُخرجت للناس، ونالت الاستخلافَ في الأرض والتمكين وعدًا من الله لها؛ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].

لأنَّها قدَّمت برامجَ إصلاحيَّةً شاملة لأوضاعِ الحياة التي غشاها الظُّلُمات، ومستنقع الرذيلة، وأوجدتْ مقوماتِ الاستخلاف، وعملت بأسبابه، وأثبتتْ أهليتها وجَدارتَها لأنْ تكونَ هي الأمَّةَ المستخلَفة السائدة الرائدة؛ {﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].

كما حذَّر - سبحانه - هذه الأمَّةَ من أن تتشبَّه بالأُمم قبلها التي أضاعتْ مجدَها وعِزَّتها؛ ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]، مشيرًا إلى أنَّها قضية قابلةٌ للتغيير والتبديل متى غيَّر أهلُها أو بدَّلوا.

نخلص من هذا كلِّه - وتأسيسًا على ما سبق - بالإشارات التالية:

• أنَّ قضية الاستخلاف ليستْ قضيةَ مجاملةٍ ومحاباة، أو دعوة بالأحقيَّة، بقدر ما هي أهليَّة وجدارة تُناطُ بتحمُّل المسؤولية، وأداء الأمانة على وجهها الصحيح، فالاستخلاف في الأرض منوطٌ بالعمل بأسبابه، وإيجاد مقوِّماته، فمتى وُجدت هذه المقوماتُ، وتحقَّقت تلك الأسباب، استحقَّ أصحابُه نيلَه والظَّفر به، وهذا ما أشرْنَا إليه سابقًا.

• أيًّا كان نوعُ الاستخلاف "العام أو الخاص"، تبقى دلالته واحدةً، وهي استخلاف الإنسان على شيءٍ ما، فحازه وتملَّكه، أو أصبح مسؤولاً عنه، وعلى هذا فيدخل في ذلك مواطنُ كثيرةٌ للاستخلاف؛ كاستخلاف الرَّجل في بيته، والغَنيِّ في ماله، والمدير في مؤسَّسته، والقائد والحاكم في بلدته وإقليمه..

غير ذلك، وأنَّ الإنسان يتنقل غالبًا بين تلك المواطن ويتدرج فيها، حتى يصلَ إلى الخِلافة الكُبرى والعُظمى، فمتى قام الواحد بحقِّ مستُخلِفه عليه، وأثبت الجدارةَ فيه، استحقَّ أن ينتقل إلى موطنٍ آخرَ، وهكذا، فالقضية إذًا قضيةُ مشوار أو طريق يقطعه الإنسان عقبَ محطَّات يجتازها، ثم ينتقل إلى محطَّة أخرى، حتى يصل إلى هدفه الأخير.

والناظر إلى خِلافة أُمَّة الإسلام يلحظ ذلك؛ فعندما قَدَّم الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - نظامًا شاملاً لكافَّة مجالات الحياة، ورسم للبشريَّة منهجًا واضحًا صالحًا لجميع الأزمان، ابتدأَ تطبيقَه في مجتمع المدينة كمجتمعٍ مصغَّر، شاملاً لكافَّة مجالات الحياة الأُسريَّة والإداريَّة والسياسيَّة والعسكريَّة، وقبلها كلِّها الإيمانيَّة والعقديَّة؛ بدأتْ بعد ذلك الأمصار والأقاليم تُفتح على يدِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِصْرًا بعد مِصْر، وإقليمًا على إثر إقليم، سوى ما كان في عهده أو عهد صحابته الكِرام، الذين تربَّوْا وتَعلَّمُوا على ذلك المنهج النبوي الربَّانيِّ - مجتمع المدينة - وخَلَفُوا نبيَّهم الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقدَّموا للبشريَّة نموذجًا رائعًا للاستخلاف.

  • أنَّ الاستخلاف كما هو نعمةٌ ومنَّةٌ يمتنُّ الله بها على عبادِه؛ ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية [القصص: 5 ، 6]، بقدر ما هو ابتلاءٌ يَبتلي الله بها عبادَه؛ لينظرَ مَن يقوم بحقِّه ويشكر، ممَّن يكفر ويبطر؛ قال - تعالى - حاكيًا عن نبيِّه سليمان - عليه السلام - بعد أن مكَّنه في الأرض وآتاه مُلكًا عظيمًا؛ ﴿ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40].

    فالمسألةُ تكامليَّة تحمل في طيَّاتِها تشريفًا وتكليفًا، فالله - سبحانه وتعالى - أراد حينما مكَّن عبادَه، واستخلفهم في الأرض أن ينظر حالَهم، وكيف يتعاملون مع هذه النِّعمة، فقال - تعالى - على لسان موسى بعد أن شَكَا إليه بنو إسرائيل حالَهم؛ ﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129].

    وقال - سبحانه - بعد إهلاكه القرونَ التي قبلنا بسبب ظُلمهم وعدمِ استحقاقهم لذلك الاستخلاف: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس: 14]، ممَّا يدلُّنا على أنَّها مسألةُ تكليف وأعباء يجب القيامُ بها وأخذها بحقِّها؛ استشعارًا منا للمسؤولية، وإحياءً لمبدأ المراقبة، فالله مطَّلع علينا ينظر إلى أقوالنا وأعمالنا؛ ممَّا يؤدِّي – حتمًا - أن نكون يَقظِين حَذِرين من أن نتكاسل، أو نتَنصَّل من حمْل هذه المسؤولية وهذا التكليف؛ خشيةَ أن يُسلب منَّا، ممتثلين قولَه – تعالى -: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41].

    • أنَّ الطريق نحوَ الاستخلاف ليس طريقَ المتهورين أو المتعجلِّين؛ بل هو طريق الراسخين المستبصرين، وعلى إثر هذا نلحظ اليومَ سببَ عدم تحقيق التمكين لبعض البُلدان أو الجماعات الإسلاميَّة؛ لأنَّها لم تخطُ خطوةً خطوةً نحو الاستخلاف؛ بل تعدَّتْ وتجاوزت تلك الخطواتِ سياسيًّا أو عسكريًّا، فتعثَّرت في حفرة أودتْ بها في هاوية، أو في مصيدة نصبَها لها قُطَّاع طرق، فجعلوها ألعوبةً في أيديهم، يوظِّفونها في صفِّهم، أو ضلَّت الطريق وتاهت عن الجادَّة؛ لأنَّها لم تحمل المصباح المنير.

    وهذا ما أشار إليه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندما أتاه أحدُ الصحابة الكرام، وقد اشتدَّ عليه العذاب والأذى، يطلب منه أن يستنصرَ لهم ويدعوَ لهم، فقال له الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم –: ((...واللهِ لَيُتمِّنَّ الله هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكب مِن صنعاءَ إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ الله - عز وجل - والذِّئبَ على غنمه، ولكنَّكم تستعجلون))؛ مما يُعطينا دلالةً واضحة بأنَّنا بحاجة إلى المزيد من الوقت؛ لِكَي ننضجَ ونرسخَ وتقوى بُنيتُنا؛ لأنَّ الطريق طويلٌ ومليء بالمخاطر.

    • إنَّ تمكين الكفَّار اليوم، وسيطرتَهم على مقاليد الحُكم، وتولِّيَهم زِمام الأمور في العالَم - لم يكن ذلك إلاَّ عندما خَطَا القوم خُطواتٍ جادَّةً، بعزيمة وجلد متواصل، ليلاً ونهارًا، سرًّا وجهارًا، واستخدموا وسائلَ شتَّى من أجْل ذلك، وحاكوا المؤامراتِ والخططَ، حتَّى يسقطوا خِلافةَ أمَّة الإسلام، ويبعدوها عن سُلَّم الرِّيادة، ويجعلوها ممزقةً منقادة لبرامج أعدائها، متخلِيَّة عن منهجها القويم، وعن دَوْرها في قيادة البشريَّة، ومتى رجعت أمة الإسلام إلى دِينها الحقِّ، رجعت إليها خِلافتُها، فالمسألة مسألةُ مدافعةٍ، حتى تستقيمَ الحياة ولا تفسد الأرض، فالله - سبحانه - لا يُعجزه شيءٌ؛ فهو القائل - بعد أن ذكر آية الاستخلاف للمؤمنين -: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [النور: 57].

    دعوة للمراجعة

    إنَّها دعوةٌ لأولئك الذين سبَحوا في بحرٍ مِن الأُمنيَّات، حتَّى إذا ما وصلوا إلى الشاطئ تغيَّرت تلك الأمنيَّاتُ، ولم يبقَ منها إلاَّ أطلالها، وأولئك الذين يَحلُمون بأحلام وَرْديَّة، فإذا ما أفاقوا واستيقظوا تغيَّرت، وأصبحتْ ذاكرةً من نسْج الخيال.

    • ذلك الشاب الذي كان يَحلُم ويَأْمَل إن تزوجَ وصار ربَّ أسرة، وله ذُريَّة سوف يُقيم فيهم تعاليمَ الإسلام، ويُنشِّئ أولادَه تنشئة طيِّبة؛ ليكونوا عونًا على نهضة الأمَّة وعودة خلافتها، أو ذلك المربِّي الذي كان يرجو إنْ أصبح مسؤولاً عن مجموعة من المتربِّين أن يهتمَّ بهم، ويربيَهم تربية إسلاميَّة شاملة لكافَّة جوانب حياتهم، ثم بعدما نال كلُّ واحد منهم مُناه، إذا بهم يتخلَّوْن عن تلك الآمال والأمنيَّات التي كانوا يحتسبون أجرَها، محتجِّين بأن الزمان تغيَّر، وأولاد وشباب اليوم غير الأمس، والانفتاح الحضاري يستلزم إعادةَ النَّظر في البرامج التربويَّة؛ مسايرةً للواقع... إلى غير ذلك من المبرِّرات.

    • وذلك الموظَّف الذي كان يحلُم إن صار مديرًا في مؤسَّسته ليعملنَّ كذا وكذا، وسوف يطبق النُّظم والبرامج الإصلاحيَّة والإداريَّة التي ترتقي بمؤسَّسته وشركته، وسيكون نموذجًا رائعًا يُحتذَى به في حسن التعامُل مع الموظَّفين والعاملين، وفي تحقيق أنظمة إداريَّة ذات كفاءة عالية، قادرة على تخطِّي العقبات والأزمات وإثبات الذات، ولكن ما أن تَحينَ له الفرصة ليصبحَ مديرًا، حتى نجده قد تخلَّى عن جميع تلك البرامج والخطط الطموحة، ولم يذكرْ منها إلاَّ حُلْم تقلُّدِ المنصب ونشوة بريقه الخادع، بحجَّة أنَّ الإدارة الحديثة تُحتِّم ذلك وتقتضيه، وأنَّ الواقع يفرض عليه تحدِّياتٍ جديدةً، ويستلزم اتخاذ سياسات وبرامجَ أخرى غير التي في الماضي، فأصبح شؤمًا على موظَّفيه بعدما كانوا يتفاءلون به، ويُؤمِّلونه.

    • وذلك الرَّجل الثري صاحب الثروة الطائلة والمليارات الهائلة، كان في الماضي رجلاً بسيطًا، يَحلُم إن أُعطيَ حظَّه من الدنيا سوف يُنفق هذا المال في سبيل الله، ويُسخِّره في خِدمة دِينه؛ قدوةً بأبي بكر، وعثمان، وعبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنهم - ثم نراه بعدَما أُعطي حظَّه من الدنيا مُعرضًا عن أوجه الخير، متنكِّرًا لفعل البرِّ والإحسان، بحجَّة أنَّ هذا المال لم يأتِ بيُسر، وإنَّما أتى بعد مشقَّة وعنت، فيجب المحافظةُ عليه وعدم التفريط فيه؛ قدوةً بقارون وأمثاله.

    • وذلك العالِم الذي كان يومًا من الأيَّام طالبَ علم، ينتقد علماءَ عصره لتخلِّيهم عن دورهم المطلوب منهم، كان يُمنِّي نفسه إن أخذ قسطًا وافرًا من العِلم الشرعي، ورسخ فيه وصار يُشار إليه بالبنان، أن يقوم بواجبه تُجاه أمَّته، ويبلِّغ دِين ربِّه، ويُحقُّ الحق، ويبطل الباطل، ويكشف زَيف أهله، ويوقظ الأمَّة، ويرشدها إلى طريق فلاحها ونجاتها؛ قدوةً بالعلماء من قبله: "ابن تيمية، والعز بن عبدالسلام"، وغيرهم.

    ولكن بعد أن بلَغَ مناه إذا به يتخلَّى عن هذا كله، ويكتفي بذلك اللَّقب والوِسام الرفيع، ويكون عارًا على أهل العِلم وحملةِ الشريعة، فيُدلِّس على الناس ويُلبِّس عليهم الحقَّ بالباطل، ويكون عونًا لهدم الدِّين، ومحْوِ رُوح الشريعة بفتاواه وبياناته، محتجًّا بأنَّ المصلحة الشرعيَّة تقتضي ذلك، والفتوى قد تتغيَّر، ولكلِّ عصر علماؤُه واجتهاده ومصطلحاته، وغير ذلك، فأخلدَ إلى الأرض واتَّبع هواه، وباع دِينه بعرَض من الدنيا قليل؛ أسوةً ببلعام وأشباهه

    • وذلك القائد السِّياسي أو العسكري الذي كان يَأْمُل أن يكون عُمريًّا في عدله، رشيدًا في حنكته وتدبيره ومحافظته على الدِّين، معتصمًا بغَيْرته على حُرمات وأعراض المسلمين، فوَضَع البرامج، ورَسَم الخطط، ورَفَع الشِّعاراتِ، وقاد المسيراتَ؛ مِن أجل ذلك، ولكن ما أن يتمكَّن ويُسيطر على زِمام الأمور وعلى مقاليد الحُكم، حتى يقلبَ تلك الخططَ والبرامج إلى كوابيس شيطانيَّة، قد أصبح فرعونَ من فراعنة العصر، فغيَّر وبدَّل، صار عدُله شهوتَه وهواه، ومحافظته على كرسيِّه أغلى مناه، وصار عزيزًا على إخوانه المسلمين، ذليلاً حقيرًا عند أعداء أمَّته من الكافرين، ثم يحتجُّ بأنَّه يحافظ على أمْنِ البلاد، وأنَّه يريد مصلحة العِباد وسلامتَهم، وأنَّ هذا من قبيل الحِنكة السياسيَّة واحترام مواثيق وقوانين الأمم الدوليَّة.

    فإذا كانتْ هذه هي برامجَنا وخططَنا نحو أيسر أنواع الاستخلاف، فما عسانا أن نُقدِّم للعالَم وللبشرية جميعًا إن استُخْلفنا عليهم وصارتْ زمام الأمور في أيدينا؟! إنَّنا حينها سنكون قد خطونا خطواتٍ نحو دائرة مُقفلة، لا إلى طريق موصولٍ نحوَ استخلاف مأمول.

    إنَّها في الحقيقة قضيةٌ تستدعي منَّا المراجعة والتفكير مليًّا؛ كي نصحِّحَ مسار طريقنا نحوَ الاستخلاف؛ لنخرجَ بنتائجَ طيِّبة مثمرة؛ تؤتي أُكلَها علينا في أنفسنا ومجتمعاتنا، ومِن ثَمَّ على غيرنا.

    بَيْدَ أنَّ أمَّة التوحيد وأمَّة خاتم المرسَلين هي الأمَّة التي تستحقُّ الخلافةَ والاستخلاف في الأرض:

    بنصوص كثيرة ثابتة في الكِتاب والسُّنَّة، وعودةُ الخلافة إليها بعد زوالها قادمٌ - بإذن الله تعالى - ولكن يبقى أن تعيَ الأمَّة أنَّ طريق الخِلافة مشوارُ الألْف ميل يبدأ بتلك الخطواتِ الجادَّة الصادقة الثابتة، التي لا تتغيَّر مواقفُها ولا تتراجع إلى الوراء، بل تمضي قُدمًا بثبات وجِدٍّ واجتهاد، متمسِّكةً ببرامجها وخططها الفعَّالة في التغيير والإصلاح، مستنيرةً بكتاب ربِّها وسُنَّة نبيِّها - صلَّى الله عليه وسلَّم - من أجل أن تقطع ذلك المشوارَ بيُسر واطمئنان، وحينئذ ستنال الأمَّة استخلافًا أكبرَ، ونصرًا وتمكينًا أكثر؛ لأنَّها قد أرت اللهَ من نفسها أهلاً لنيل ذلك، ببرامجها الإسلاميَّة العمليَّة التي تحمل للناس جميعًا سعادةَ الدنيا والآخرة، وسوف تعود إليها دَفَّة القيادة، وسنكون في الصدارة والرِّيادة.
بواسطة : تميم بن محمد بن عبدالله الأصنج
 0  0  15

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:44 صباحاً الخميس 7 شوال 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم