• ×
الأحد 10 شوال 1439 | 07-27-1439
علي حسن فراج

أهمية الإيمان باليوم الآخر


أهمية الإيمان باليوم الآخر

الإيمان باليوم الآخر هو أحدُ أرْكان الإيمان السِّتَّة، التي لا بدَّ منها، وإذا نظرْنا إلى القرآن الكريم وجدْناه مِن أوَّله إلى آخِره يُعطي اهتمامًا كبيرًا للتذكير بهذا اليوم، حتى إنَّه لَيقْرِنُ ذلك بالأحكام التشريعية، فيُلمح إلى ضرورةِ انتِباهِ المكلَّفِ في تعاطيه للمُعامَلات الدُّنيويَّة إلى أنَّه موقوفٌ غدًا بين يدي ربِّه مجازًى بعمله، إنْ خيرًا، وإنْ شرًّا.

فمِن ذلك: قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [الطلاق: 2].

وقليلةٌ هي السُّوَر التي لم يأتِ فيها ذِكْرٌ لِقضيَّة البعْثِ والنشور، ممَّا يدلُّ على أهمية الإيمان باليوم الآخِر في حياة المسلِم خاصَّة، وفي حياة الأمَّة عامَّة.

وقد يوجد كثيرٌ مِن الناس، مَن يؤمِن بالله تعالى، ولكنَّه لا يؤمن باليوم الآخر، وقد وقع ذلك في قديم الدهْر وحديثِه، فقد كان مُشْرِكو العرب يؤمنون بالله تعالى، ولكنَّهم لا يؤمنون بالبعْث، واليومَ يوجد في العالَم أعدادٌ غفيرة تؤمِن بوجود الخالق، ولكنَّها لا تؤمن بقضية البعْث: إمَّا إنكارًا لها واستبعادًا لوقوعها، يَحْضُرُني مِن ذلك مقولةُ العالِم الألماني الشهير (ألبرت إينشتين): "... فأنا لا أستطيع أنْ أتخيَّل الرَّبَّ الذي يُكَافئ ويُعاقِب مخلوقاتِه، حسبي أن أتأملَ في سِرِّ خلود الحياة، أتأمَّل في البنيان البديع لهذا الكون، الذي لا نستطيعُ إدراكَه إلَّا إدراكًا مبهمًا ..."، مع أنَّ هذا الرجل ممَّن يقول بنفْي الصُّدفة في إحْداث الكون، وأنَّ وراءه مُحْدِثًا له.

وإمَّا أنْ يكُون عدمُ الإيمان باليوم الآخِر عن غفلةٍ وذهول عن قضية البعْث والاستعداد لها، وتجِدُ مثالَه الصارخَ في أفراخ الليبراليِّين والعلمانيِّين، الذين جعلوا الحياةَ الدنيا أكبرَ همِّهم، ومَبلغَ عِلمِهم.

ولعلَّ السبب في تبايُن موقف الناس مِن القضيتَيْن: أنَّ قضية وجود الخالق، وأنَّ هذا الكون صادرٌ عن مسبِّب له ومُريدٍ لإيجاده، مِن الظهور بحيْث لا يَقْدِر العقلُ السليم على إنكارها إلَّا على جهة المُكَابَرة، فمِن ثَمَّ يُسلِّم الكثيرون لها، ثم إنهم لا يُريدون أن يُكلِّفوا أنفسَهم أيَّ تَبِعات على التسليم بهذه القضية، فلا يخضعون لتكاليفَ شرعيَّة، ولا يؤمنون بقضايا غيبيَّة مِن بعْث وجزاء، وثواب وعقاب؛ لأنَّ كل ذلك يُكدِّر خاطرَهم، ويُشَوِّش على تمتُّعهم بشهواتهم ونزواتهم.

تأمَّلتُ في كثيرٍ مِن القضايا المثيرة للجدَل بيننا وبيْن الليبراليِّين والعلمانيِّين العَرَب، الذين يَزعمون أنهم ما زالوا يَلتزمون بالإسلام، ويَرضونه دِينًا، فإذا كثيرٌ مِن هذه القضايا كان يمكن رفْع الخلاف فيها، لو قوي عندَهم باعثُ الإيمان باليوم الآخر والجَنَّة والنار.

كم مِن قضية على الساحة نحتاج فيها لإثبات صحَّتها العقليَّة، وأنَّها موافِقة للمَصالح البشرية، ويَكْثُر الضجيجُ والأخْذ والرد، بينما لو وَضَع المسلِم إيمانَه باليوم الآخر نُصْبَ عينيه، فبادَرَ للامتثال، لأراح نفسَه وغيْرَه مِن الكثير مِن العناء، والخِصام والجدال.

خذْ مثلًا قضايا الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الربا، والاختلاط والتبرُّج والسُّفور، يُتعب العلمانيُّون أنفسَهم ويُتعبون غيرَهم في زحزحتها عن مكانها في ميزان الشرع؛ لأنَّها تُعارِض الحريَّة الشخصيَّة في زعْمهم، ونجتهد نحن في إثبات أنَّ ما جاء به الشرع في هذه القضايا هو الأَمْثَلُ والأجْدَى للفرْد والمجتمع من الناحية الدنيويَّة قبلَ الجهة الشرعيَّة، وتكتب الكُتب والرُّدود، والمقالات والأبحاث.

بينما لو وَضعوا نُصْبَ أعيُنهم أنَّهم مبعوثون ليومٍ عظيم، وأنَّه إما الامتثال وجزاؤه الجَنَّة، وإما المخالفة وجزاؤها النار، لرجعوا عن موقفهم، وسلَّموا لربِّهم، وأذعْنوا له؛ لأنَّ في امتثالهم وتسليمهم الجَنَّةَ، وفي عصيانهم وتمرُّدهم النار، وهذا يكفي أيَّ عاقلٍ لِيُذْعِنَ ويَقْتَنع، بجانبِ يقينه أنَّ الله تعالى حكيم عليم، لا يشرع إلا ما فيه جلْبُ منفعةٍ، ودَفْعُ مَفْسَدة.

فإذا ما عَلِمَ المرأةُ والرجُلُ جميعًا، وأيقَنوا أنَّ في تمتُّعهم بما يُسمَّى الحرية الشخصية عصيانًا لربِّهم، سيصِلُ بهم إلى غضبه ومعاقبته، وحِرْمانهم مِن رِضاه وجَنَّتِه، كان ذلك حافزًا عظيمًا على التضحية بالحريَّة المزعومة؛ لِمَا يترتب على التمتُّع بها مِن فوات نعيمٍ عظيم، والوقوع في عذابٍ أليم.

إنَّ الإنسان إذا ما خالَط الإيمانُ باليوم الآخِر بشاشةَ قلْبه، ووقع منه الموقعَ اللائق؛ لَيَرَى الحياةَ الدنيا على حقيقتها، صغيرةً قصيرةً، فلا يكُون همُّه إدراكَ مأْربه فيها، بل همُّه أنْ يضْمن النجاةَ والسعادة في الحياة الأُخرويَّة؛ لأنها هي الباقية بلا انقطاع، ولا زوال.

إنَّ مِن أكبرِ أَوْجُهِ الاختلافِ بيْن منهج الإسلام وسائر المناهج الإنسانية المعاصرة: كونَ هذه المناهج والأفكار قامتْ على نظرة إلحاديَّة في الأصْل، تجعل الحياة الدنيا هي المستقرَّ والمآل، وأنها الغاية التي تنتهي عندَها حياةُ الفرْد، ومِن ثَمَّ ينبغي أن يحقِّق الفردُ فيها كلَّ أمنياته وأهدافه ومآربه، فيستمتع بالشهوات والملذَّات، ولا يقف مِن ذلك عندَ حدٍّ، إلا إذا عاد ذلك بضررٍ عليه في حياته الدنيا فقط.

وكثيرٌ مِن الأمور لا يكُون ضررُها الدنيويُّ كبيرًا أو ظاهرًا، أو عامًّا لكل الأماكن والأشخاص، بل يكون ضررُها الأكبر أُخرويًّا مِن إفساد العلاقة بيْن المرء وربِّه، والحيلولة دون وصوله إلى رحمتِه والجَنَّةِ، وها هنا يأخذ الإسلام بأتْباعِه إلى سبيل السلامة والرَّشاد، فيَمنَعهم مِن كلِّ ما يضرُّ بآخرتهم، كما يمنعهم مِن كلِّ ما يضرُّ بدنياهم سواءً بسواء، بل وإذا كان لا بدَّ مِن وقوع أحدِ الضررَيْن، فإنَّ الإسلام يختار حصولَ الضررِ الدُّنيويِّ دون الأخروي؛ لأنَّه أخف وأهون، والدنيا أيَّام قصيرة فانية، والآخرة آباد باقية.

في حين أنَّ المناهج الأرضيَّة الحديثة لا وجودَ للمصالح الأُخرويَّة فيها، فضلًا عن مراعاتها، وهذا هو جوهرُ الاختلاف في قضايا الحريَّة وحقوق الإنسان بيْن الإسلام والمناهِج الحديثة، وإلَّا فهناك كثيرٌ مِن الجوانب تلْتقي فيها هذه النظريَّات والمناهِج مع الإسلام، كالسعْي لاحترام إنسانية الفَرْد، وتحقيق كرامته ومصالحه، وتمتُّعه بالطَّيِّبات مِن الرِّزق والملذات، لكن الإسلام - كما تقدم - يَضَعُ نُصبَ عينيه سعادةَ الإنسان في الآخرة؛ فيَمْنع مِن بعض الملذَّات والشهوات، ويُحجِّم مِن الحريَّات والرغبات؛ رعايةً لوصول الإنسان إلى حياة هانِئة سعيدة في الدار الآخرة، يتمتَّع فيها بكلِّ الطيبات والملذَّات، بلا حظْر ولا منْع ولا قيْد؛ لأنَّها عندئذٍ قد خلَتْ مِن الجوانب السلبية التي توجد فيها في حياتنا الأرضيَّة هذه.

مِن هنا يجب التركيزُ على إثارة قَضية الإيمان باليوم الآخِر مع التيارات الليبرالية والعلمانية في مجتمعاتنا، التي يَزعم أصحابُها أنَّهم ما زالوا مسلمين، وأنَّهم مِن أهل الصلاح والتقوى، ولكنَّهم يريدون تحريرَ الإنسان - والمرأةِ على الخصوص - مِن القيود والأغلال التي فرَضَها رِجالُ الدِّين - في زعمهم - مع أنَّ هذه الأمور لو سلَّمْنا أنَّها أغلال، فهي مِن الدِّين الإسلامي، لا مِن وضْع رجاله - كما يحاول العلمانيون والليبراليون أنْ يُلقوه في أسماع الناس وعقولهم؛ ليتهيَّأَ لهم الانحلالُ مِن هذه القيود بسهولة بعدَ نفي كونها مِن الدِّين أصلًا.

وتلك لُعبةٌ ماكرة، ومقصِد خبيث يُعبِّر عن عدم نزاهة صاحِبه، بل يُبَرْهِن على تدليسه وخِداعه لنفسه قبلَ الآخرين، فإنَّ تلكم القضايا لم يزلْ أئمة المسلمين الأخيار يَنْقلونها عن سابقيهم جيلًا بعدَ جيل، كما نقلوا لنا سائرَ العبادات، بل هذا كتابُ الله تعالى، وسُنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فيهما الفصْل في هذه القضايا محلِّ النِّزاع والاختلاف، ولكنَّ ضَعْفَ الإيمانِ باليومِ الآخرِ، وحُبَّ الدُّنيا، واتِّباعَ الهوى، والاقتداءَ بمَن لا يَرْجُون الله واليوم الآخر - يحمل صاحبَه على فِعْل هذا وأكثر منه.

فنسأل الله تعالى أنْ يملأَ أفئدتَنا باليقين، وأنْ يُثبِّتَ قلوبَنا على دِينه، غيرَ مُبَدِّلين ولا مُحَرِّفين.

بواسطة : علي حسن فراج
 0  0  39

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:43 صباحاً الأحد 10 شوال 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم