• ×
الأحد 10 شوال 1439 | 07-27-1439
أ. حسام الحفناوي

نحن أولى بسليمان عليه السلام منهم (2)

نحن أولى بسليمان عليه السلام منهم (2)

المقدمة الثالثة:
المسجد الأقصى مُتَعَبَّدُ الأنبياءِ والرسل عليهم الصلاة والسلام، وإرْثُ أتْباعِهم مِن أهل الإسلام:
مِن الثوابت التاريخية عند علماء المسلمين: أنَّ المسجد الأقصى كان مَنْبَعًا للدَّعوة إلى توحيد الله تعالى، ومَجْمَعًا لتعليم شرائعه، والحَضِّ على طاعتِه عز وجل، ومَوْطِنًا لعبادته وحْده لا شريك له، في رِحابه يَصْدَع الأنبياء والصِّدِّيقون بالمِلَّة الحَنِيفِيَّة، وفي ساحاته يُعْذِرُون إلى ربهم بالوَعْظ والتَّذْكير، والبيان والإرشاد، وفي جَنَباته يَقْنُتون آناءَ الليل سُجُودًا وقِيامًا، قد أَطْبَق على ثُبوت ذلك أهلُ الرِّواية، والدِّراية، والرِّعاية، وأَجْمَع على الجَزْم بصحَّته عُدُول المؤرِّخين، وثِقاتُ الأَخْبارِيِّين.[1]

وانْدِراجُ هذا الأمر في عِداد الثَّوابت ليس دَفْعًا بالصَّدْر، ولا تَحَكُّمًا بالرأي؛ بل بتواطؤ نُصوصِ الوَحْيَيْن على إثباته، وتعاضُدها على تَقْريره.

ولا يُشَوِّش على ما ذكرنا اختلافُ أهلِ العِلم في تَعْيين مُبْتَدِئ البناء للمسجد؛ فكَوْن المُبْتَدِئ للبناء هو آدم عليه السلام، أو أحد أبنائه، أو سام بن نوح عليه السلام، أو إبراهيم عليه السلام، أو يعقوب عليه السلام، أو الملائكة الكرام لا يُزَعْزِع الثابت التاريخي الذي ذكرناه آنفًا، ولا يُوْهِن رُسُوْخَه؛ فقد اتصف المسجدُ المبارك بما وصفناه آنفًا على مَرِّ العُصور التالية لإنشائه، أيًا كان واضِعُ أساسه الأول، وأحيا اللهُ تعالى تلك المآثرَ على يدي المُجَدِّدين لعمارته من الأنبياء والرسل.

وقد كان التجديد الأكبر لعمارة المسجد مِن نصيب سليمان عليه السلام، فاشتهرتْ نِسبة المسجد له، وإن لم يكن مُؤسِّسَه أول مرة.[2]

قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: يُشْبِه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وَضع بناءه بعضُ أولياء الله قبل داود وسليمان، ثم داود وسليمان، فزادا فيه ووسَّعاه، فأضيف إليهما بناؤه.[3]

وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: المسجد الأقصى كان مِن عهد إبراهيم عليه السلام، لكن سليمان عليه السلام بناه بناءً عظيمًا.[4]

وهذا البناء العظيم أشمل وأوسع مِن المسجد الحالي، فيدخل فيه بالمعنى الشرعي كلُّ ما احتواه السور الكبير ذو الأبواب، فالأقصى اسم للمسجد كله، ولا يختص بالمسجد القائم بالناحية القبلية الجنوبية، كما يظنه بعض الناس.

وقد تعرَّض المسجد الأقصى للتخريب والتدمير مرتين: أولاهما: على يد ملِك بابل نبوخذ نصر (بُخْتنَصَّر) في عام سبع وثمانين وخمسمائة قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وثانيهما: في العام السبعين من ميلاد المسيح عليه السلام على يد تيتوس (طيطوس) الروماني، وتعرَّض للامتهان زمنًا طويلًا قبل الفتح الإسلامي؛ حيث اتخذ البيزنطيون النصارى مِن مَوضع الصخرة وما حولها - وهو قِبْلة اليهود - مَجْمَعًا للقاذورات والنَّجاسات؛ مُجازاةً لليهود على صُنْعهم ذلك بمَوضع صَلْب شَبيه المسيح عليه السلام[5].

وظلَّ ذلك المَوْضِعُ الشريف على تلك الحال المُزْرِية، حتى فَتَح المسلمون بيت المقدس، وتسلمها عمر بن الخطاب رضي الله عنه مِن بطريرك القدس في العام السادس عشر مِن الهجرة النبوية الشريفة، فتمَّ تطهير موضع الصخرة مِن القاذورات، وصَلَّى الفاروق رضي الله عنه في المسجد.[6]

وقد دخلتْ مرحلة فاصلة في التاريخ المعماري للمسجد الأقصى في عهد الخليفة الأموي عبد الملِك بن مروان رحمه الله تعالى؛ حيث بناه بناءً ضخمًا مهيبًا، واعتنى به مِن بعدِه العديدُ مِن الملوك والأمراء، إلى أن وقع المسجد أسيرًا في أيدي الصليبيِّين سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وظلَّ في أيديهم إلى أن خَلَّصه الله تعالى منهم على يدي السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ثم سَلَّمه الملِكُ الكامل الأيوبي دون قتال إلى الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني[7] تسليمًا ملؤه الخزْي والعار سنة ست وعشرين وستمائة؛ إيفاءً بوعد غير شريف، منَحَه الكاملُ لفريدريك الصليبي لغرض خبيث؛ وهو إشغال أخيه عيسى المُلَقَّب بالمُعَظَّم، واضطرَّ إلى تنفيذ الوعد المشؤوم؛ لانشغاله بحيازة ممتلكات ابن أخيه الناصر داود بن عيسى، الذي تولَّى عَقِب وفاة والده[8]، إلى أن أراح اللهُ المسلمين مِن هذا البلاء سنة اثنتين وأربعين وستمائة على يد الجيش المصري بقيادة ركن الدين بيبرس مملوك الملِك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله تعالى، مدعومًا بالجيش الخوارزمي الذي استدعاه الصالح.

وظلَّ القُدس الشريف منذ ذلك الحين في حَوزة المسلمين، حتى وقع فريسة الجيش الإنكليزي الصليبي في آخر العام السابع عشر من القرن الميلادي العشرين، فحكموه ثلاثين عامًا، وَطَّدوا فيها دعائم الوجود اليهودي في أرض فلسطين المباركة، وعَبَّدوا الطريق أمام قيام دولة إسرائيل التي أَعلَن بن جوريون عن قيامها قبل إنهاء الانتداب - الاحتلال - البريطاني بساعات قلائل، والتي تلا إعلانها قيامُ الحرب من العام نفسه، والتي تَمَخَّضت عن توسيع تلك الخَلِيَّة السَّرَطانية لمساحتها المُعْلَنة مِن قبل، بَيْد أن القُدس الشرقية التي تضمُّ المسجد الأقصى بين جَنَباتها قد ظلَّت تحت حكْم المملكة الأردنية إلى يوم الخامس من يونيو في العام السابع والستين من القَرْن المُنْصَرِم، ليدخل المسجد الأقصى مباشرة تحت الحكم اليهودي البغيض، فَكَّ الله أَسْرَه من أغلاله المشؤومة.

فمن أحق الناس بإرث الأنبياء والمرسلين؟
إنَّ الأحق بالأرض المقدَّسة، مُتعبَّد إبراهيم، ومِحْراب داود، ومسجد سليمان هم أتْباعُهم مِن الموحِّدين، وأشياعِهم مِن المسلمين.
ألم يقل الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

ألم يقُل النبي صلى الله عليه وسلم عن اليهود: ((نحن أولى بموسى منهم))[9]؟
ألم يقُل النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِى الأُولَى وَالآخِرَةِ))[10]؟

بل الموحِّدون هم الأحقُّ بالأرض كلها، كما قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105].
وقال سبحانه: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور: 55].

والنصوص الشرعية في هذا المعنى كثيرة جدًّا، لا يَسَعُنا سَرْدُها في مثل هذا المقام.

____

[1] لا يُعارض ما ذكرناه تَسَلُّط بعض أحبار السوء على تولي زمام الأمور فيه بما يُخالِف دعوةَ الأنبياء والمرسلين؛ فهو عارض مُباين لنهج المؤسِّسين والمجدِّدين من الأنبياء والمرسلين وأتْباعهم مِن الموحِّدين، وهل غَيَّر نَصْبُ مُشْرِكي العرب أوثانهم حول الكعبة المشرفة، وهي أفضل من المسجد الأقصى قطعًا، مِن كونها مُتَعَبَّدًا للحُنَفاء مِن أتْباع الخليل عليه السلام، وخير بقعة على ظهر الأرض، وكونهم أولى الناس بها؟
[2] يُعْرَف مسجدُ سليمان عليه السلام في المصادر اليهودية باسم هَيْكل سليمان، قال الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ 260): الهيكل: كلمة يُقابلها في العبرية «بيت همقداش»؛ أي: «بيت المقدس»، أو «هيخال»، وهي كلمة تعني: «البيت الكبير» في كثير مِن اللغات السامية (الأكادية والكنعانية وغيرهما).
والبيت الكبير، أو العظيم: هو الطريقة التي كان يُشار بها إلى مَسْكَن الإله، فكلمة «فرعون» تعني «البيت الكبير»، وهي تُشْبِه إلى حدٍّ ما عبارة «الباب العالي».
وقد تبدَّت الطبقة الحلولية اليهودية التي تراكمتْ داخل التركيب الجيولوجي اليهودي في شكل تقديس الأرض الذي تمثَّل في عبادة يسرائيل، والعبادة القربانية المركزية المرتبطة بالدول العبرانية المتَّحدة (1020 ق.م) التي قام الكهنة بالإشراف على إقامة شعائرها. ومركز هذه العبادة القربانية هو الهيكل.
ومِن أهمِّ أسماء الهيكل «بيت يهوه»، لأنه أساسًا مسكن للإله وليس مكانًا للعبادة (على عكس الكعبة مثلًا). ومن هنا، ورغم أنه كان مصرَّحًا للكهنة بل لعبيد الهيكل بالدخول فيه، فلم يكن يُسمَح لهم بالتحرُّك فيه بحرِّيَّة كاملة. ولم يكن يُسمَح لأحد على الإطلاق بدخول قدس الأقداس إلا الكاهن الأعظم في يوم الغفران،انتهى.
وشرحه لكلمة البيت الكبير بالصورة الحرفية السابقة مرتبط بعقيدة الحلول التي ذكر في غير موضع تغلغلها في الفكر اليهودي، وإلا فإن ثمة شرحًا للكلمة منسجمًا مع عقيدة التوحيد؛ فإن وصف مَوضع عبادة الله سبحانه ببيت الله تعالى لا يلزم منه حُلول ممقوت أبدًا؛ فبَيْتُ الله تعالى وهو المسجد هو بيتٌ خُصِّص لعبادة الله تعالى، وذكْره، وهو تعبير ثابت في كثير من النصوص الشرعية، ولكن الدكتور المسيري لم يُفَرِّق في مواضع عدَّة مِن كتابه بين ما كان عليه أنبياء بني إسرائيل، وأتباعهم بإحسان من الأحبار والرهبان، وما نسبه إليهم مَنْ يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا مِن كَذَبة الأحبار والرهبان، ولا تكاد تجده يتعقَّب الروايات التاريخية اليهودية المكذوبة في حق داود وسليمان عليهما السلام، وإنما يُتابع تلك المصادر في وصفهما بالمَلَكِيَّة دون اقتران بالنبوة، بل يسير على دَرْبها في نسبة العظائم لهما.
ومما قاله في هذا الباب (4/ 266): وكثيرًا ما كان ملوك اليهود يضطرون إلى إدخال العبادات غير اليهودية؛ تعبيرًا عن تحالفاتهم السياسية، فأنشأ سليمان مَذابح لآلهة زوجاته الأجنبيات، الأمر الذي يَتنافى مع مبدأ التوحيد.
وقال عن دولة هذا النبي الكريم الذي دعا الله تعالى أن يرزقه مُلكًا لا ينبغي لأحد مِن بَعده (4/ 291): لا يَنبغي مع ذلك أن نظن أن دولة سليمان كانت دولة عظمى؛ فاقتصادُها كان محدودًا، ونشاطُها التجاري الداخلي كان محصورًا في نطاق ضيِّق جدًّا، وكانت الصناعة بِدائية ومُتَخَلِّفة.
وقال في الموضع نفسه: وتذكر التوراة أن سليمان صاهَرَ فرعون، ملِك مصر، وتزوَّج ابنته (ملوك أول 3 /1)، وقد حصل على مدينة جيزر (بالقرب من القدس)، وكانت تابعة لمصر، مَهْرًا لزواجه، ثم يعلِّق قائلًا: وهذا هو التوسُّع الوحيد الذي أنجزه سليمان. ويبدو أن هَيْبَة مُلوك مصر في تلك الحقبة كانت قد هبطَت، حتى ارتضَت مصر أن يتزوَّج مَلِك صغيرُ الشأن كسليمان من إحدى أميراتها.
وقال (4/ 292): ويقف كثيرٌ مِن النُّقَّاد موقفَ المُسْتَرِيب إزاء قصة مَجْد سليمان التي تُوردها أسفارُ الملوك والأيام، ويقولون: إنَّ التَّحَيُّز القومي لدى كُتَّاب متأخرين هو الذي دعاهم إلى الإضافة والمغالاة في القصة.
وقد نقل عن المصادر اليهودية (4/ 263 - 265) وصْف معبد سليمان عليه السلام المُسَمَّى بالهيكل، دون نَقْد لما تضمَّنه ذلك الوصْف مِن مظاهر الوثنية، ولا تعقيب لما حواه مِن مُضاهاة معابد الجاهلية، بل أكَّد ذلك المعنى بقوله عن الهيكل: وهو لا يختلف كثيرًا في تقسيمه الثلاثي (المدخل، والهيكل أو البهو المقدَّس، وقُدس الأقداس) عن الهياكل الكنعانية، كما تمَّ العثور على هيكل في سوريا، بجوار قصر ملكي يعود تاريخه إلى القرن الثامن أو التاسع قبل الميلاد، يكاد يكون نسخة من هيكل سليمان.
وقوله: لا يختلف هيكل سليمان في معماره عن الهياكل الكنعانية، التي يبدو أنها تأثَّرَت بالطراز الفرعوني، الذي أخذه الفينيقيون من مصر، وأضافوا إليه ما أخذوه مِن الآشوريِّين والبابليِّين مِن ضروب التزيين، ولذلك، فإن الطراز الذي بُني عليه الهيكل يُسمَّى «الطراز الفرعوني الآشوري».
ولا يمكن القول بصُدور تلك الأقوال ونظائرها منه على سبيل الحكاية؛ لما يَظهر في العديد مِن المواضع الفائتة وغيرها مِن التعليق والنقد الذَّاتيَّين، دون الاقتصار على النقل المُجَرَّد، فضلًا عن كونه لا يُعامِل المسيح عليه السلام - وهو مسيح كذَّاب حسب اعتقاد اليهود - معاملة داود وسليمان عليهما السلام، ويَصِفه بما ينبغي له مِن النبوَّة والتكريم، والشواهد على ذلك كثيرة جدًّا، ليس المقامُ مقامَ حَصْرها.
ولم أعمد إلى حَشْد النقول السابقة إسقاطًا للقيمة العلمية لموسوعة الدكتور المسيري، بل إيضاحًا لِخَلَلٍ عَقَديٍّ كبير لا يجوز السكوت عنه، ويَلْزَم المُتَصَفِّحين لتلك الموسوعة الضخمة - فضلًا عن الدَّاعين إلى قراءتها والمُزَكِّين لها - وَضْعُه في الاعتبار، وأَخْذ الحَيْطة منه. أما مؤلفُ الموسوعة، فنرجو أن يكُون قد تراجع عن الآراء الآنفة ومثيلاتها، وقد صَنَّف سيرة ذاتيةً في آخر عمره، أفصح فيها عن الأطوار الفكرية التي مرَّ بها، ولم أظفَر بنسخة منها، وأرجو ألا يضيق صدْر بعض المُعْجَبين بموسوعية الرجل، ومواقفه السياسية مِن النقد السابق؛ فإن أنبياء الله تعالى الكرام أعزُّ وأكرم عند المسلم مِن كل أحد، ولا أحسب هذا يحتاج إلى بَرْهَنَة.
[3] انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (6/ 409).
[4] انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (27/ 351).
[5] ذكر العليمي في كتابه [الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل] (2 /170 ، 171) أن هيلانة أم قسطنطين هي التي أمرتْ أن يُصْنَع ذلك بالصخرة في السنة الحادية عشرة مِن مُلْك ابنها، وأضاف أنها خَرَّبت هيكل بيت المقدس إلى الأرض. والمشهور أن الهيكل خُرِّب على يدي بختنصر البابلي، وأُعيد بناؤه على مدار حكم ثلاثة من أباطرة الفرس، وهم: قورش، ودارا الأول، وأرتحشتا، ولكنه كان بناء متواضعًا، فسعى هيرود الروماني بدءًا من العام العشرين قبل الميلاد في بنائه بناء كبيرًا، فقام بهدمه وإعادة بنائه، واستمرَّ العملُ فيه حتى عهد أجريبا الثاني الروماني الذي بدأ عهده في عام أربع وستين بعد الميلاد، ثم قام تيتوس الروماني بهدمه قبل وضع اللمسات الأخيرة فيه في عام سبعين، ولم يُبْنَ بعد تخريبه بناءً يُذْكَر؛ ولذلك يُسَمِّي اليهود الهيكل الذين يعتزمون إعادة بنائه بالهيكل الثالث، وبعضُهم يطلق الهيكل الثالث على هيكل هيرود، فأين الهيكل بعد تدميره الأخير حتى تهدمه هيلانة؟ إلا أن يكون المراد بذلك الإتيان الكامل على بعض ما تبقَّى مِن خراب هيكل هيرود، أو هدم هيكل بسيط بناه اليهود بإمكاناتهم المحدودة في تلك الأزمنة، والتي لم تجعل منه بناء مذكورًا في التاريخ.
[6] روى الإمام أحمد في مسنده (1 /38) عن عبيد بن آدم، قال: سمعتُ عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه يقول لكعب: أين ترى أن أُصَلِّي؟ فقال: إنْ أخذتَ عنى، صليتَ خلف الصخرة، فكانت القُدس كلها بين يديك، فقال عمر رضي الله عنه: ضاهيتَ اليهودية، لا، ولكن أصلِّي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة - وقد رُوي أن هذه القبلة هي محراب داود عليه السلام - فصَلَّى، ثم جاء فبَسَط رِداءه، فكَنَس الكناسة في ردائه، وكَنَس الناس.
وقد روى الحافظ الضياء المقدسي هذا الأثر في المختارة (برقم 241) مِن طريق الإمام أحمد، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية (7 /268) بعد ذكر رواية الإمام أحمد: وهذا إسناد جيد، اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج، وقد تكلَّمنا عن رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مُسْنَد عمر، وحَسَّن إسناده الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في حاشيته على المسند، سيرًا على منهجه في قبول توثيق ابن حبان رحمه الله تعالى لمن لم يرو عنه إلا راو واحد، وهو ما لم يَقبله المُضَعِّفون للأثر، كالشيخ المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في الأنوار الكاشفة ص 115، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتاب الإسراء والمعراج ص 106، والشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند.
[7] وَرِث عن والديه عَرْشي ألمانيا، وصقلية، وتَوَّجَه البابا أونوريوس الثالث إمبراطورًا على الإمبراطورية الرومانية المُسَمَّاة بالمُقَدَّسة، فصار ملكًا على إيطاليا، وألمانيا، وسويسرا، وتَمَلَّك قُبرص والقُدس لعدَّة سنوات، وقد دخل في صراع مع البابوية، وكثُر عليه الخارجون والمتؤلِّبون، حتى اشتدَّ به الغمُّ، ومات في عام خمسين ومائتين وألف وفق التاريخ الميلادي النصراني، وكان مُتْقِنًا للعربية، وله مؤلف فلسفي بها، وأتقن أيضًا الألمانية، والإيطالية، واليونانية، واللاتينية، وكان قد نشأ في صقلية بين مُسْلِميها، فأورثه هذا ميلًا إليهم، مع تشربه - شأن ملوك أوروبا في عصره - بالروح الصليبية. انظر: تاريخ ابن الوردي (2 /147)، والأنس الجليل (1 /405، 406) وتاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وجنوب إيطاليا للأمير شكيب أرسلان (هامش ص 274)، ومقال "حضارة العرب في صقلية وأثرها في النهضة الأوروبية" للدكتور عبد الجليل شلبي المنشور بمجلة الأمة، العدد 27، ربيع الأول 1403 هـ.
[8] تقتضي الأمانة العلمية أن أُشير إلى اشتراط الكاملِ الكثيرَ مِن الشروط على فريدريك، وتقييده بكثير من القيود، وإلى التزام فريدريك إلى حدٍّ كبير بهذه القيود والشروط، ولكن هذا كله لا يُسَوِّغ فِعْلَه الكامل، ولا يُبَرِّرُها ألبتة؛ فتسليم جزء مِن أرض الإسلام إلى الكفار - ولو اقترن بالعديد من القيود والشروط - جريمة شنعاء، ناهيك عن كونها من أحب البقاع إلى المسلمين، وأفضلها عندهم.
[9] وفي لفظ (أنا أولى)، وفي لفظ (أنتم أحق)، وكلها في صحيح البخاري.
[10] جزء مِن حديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري ((في الدنيا والآخرة)).

بواسطة : أ. حسام الحفناوي
 0  0  18

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:48 صباحاً الأحد 10 شوال 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم