• ×
الخميس 7 شوال 1439 | 07-27-1439
مصطفى مهدي

أعداء الإسلام وعلم الآثار

منذ أن خلق الله تعالى الكونَ، وجعل في الإنسان القابليةَ للخير والشر، وفطره على القدرة على الضدين، والعالم يشاهد الصراعَ الفكري والحركي بين فريقين كل منهما اتخذ أحد السبيلين وإحدى القدرتين مطية لأحد الوجهتين.

وبين يدينا في هذه السطور عرض لواحدة من وجهتي النظر اللتين تكتنفان أحد الأمور التي لا يخلو منها بلدٌ من بلدان العالم ولا تخلو منها منطقة من مناطق المسلمين في واقعنا المعاصر وهي مسألة «علم الآثار» والمقصود بها المخلفات التي خلفتها الأمم السابقة التي خلا الوجود عنها إلا بقايا من مساكنهم خاوية تشهد على سبق وجودهم، وإلا بقايا من كتابات -مظنونة الترجمة- تدل على ثقافتهم وحياتهم الاجتماعية والدينية وما فعل الله تعالى بهم جزاء وفاقًا.

نبذة عن نشأة علم الآثار:
يقول الدكتور ماجد بن صالح المضيان: «هذا العلم من الفنون الحديثة وظهر في بداية القرن العشرين وكان بداية الاهتمام به هو الاهتمام بما تركه السابقون وما خلفه الأقدمون من تراث وغيره».

وقد قال الدكتور عباس سيد أحمد أستاذ قسم الآثار بجامعة الملك سعود:
«ليس من اليسير تحديد الكيفية التي بدأ بها علم الآثار إذ إن مولده كان نتاجًا لمخاض طويل يصعب تحديده كحادثة معينة, ولا يعرف فن من الفنون العصرية أو السابقة لاقى ما لاقاه فن الآثار من تعقيد في بداية نشأته وخلاف بين الباحثين في نشأة هذا العلم وإن كانوا متفقين على أنه من نتاج هذا العصر كعلم مستقل.

إلا أنه مما أثبته الرحّالة المكتشفون وأصحاب الهويات وأصحاب الثراء الذين كانت هوايتهم اقتناء الأشياء النادرة من التحف, أحيانًا بالشراء أو بحفر بعض المواقع بل أحيانًا بنبش القبور. وقد استطاع بعضهم تكوين مخزون هائل من التحف القديمة، وأصبحت لديهم متاحفهم الخاصة وقد أدى ذلك إلى انتشار تجارة التحف وبالتالي البحث عنها وتشجيع جمعها والحصول عليها وكان هناك صنف آخر وهم سرّاقون اشتهرت تسميتهم بصائدي الكنوز سعوا في بعض المواقع تخريبًا وخاصة المقابر المَلَكية بهدف الحصول على القطع المعدنية الثمينة، ثم أخذ هذا الجمع والاهتمام بالآثار اتجاهًا علميًا كما يسمونه وهو يربط كل نوع من التحف وجيل معين ببعص أو بأشخاص معينين أو بشعوب معينة، وكنتائج للجمع المكثف للتحف تكدس لدى بعضهم مجموعات ضخمة وأخذت تتحول من مقتنيات خاصة إلى متاحف تملكها دول كمجموعة «إياس أشمول» التي انبثق عنها المتحف الأشمولي بأكسفورد عام 1093ﻫ-1682م كما أن مجموعة «سيب» في هولندا تحولت إلى متحف «بترسبرج» بعد أن اشتراها بتر الإمبراطور الروسي عام1131ﻫ-1719م»[1].

ويقول الدكتور ماجد: «وأما على مستوى العالم الإسلامي فإن أول وأشهر بعثات الآثار في ديار المسلمين تلك الحملة الصليبية التي قادها نابليون على بلاد مصر وكان عازمًا على إقامة إمبراطورية ولكن مقاومة إسلامية لم تكن بالحسبان أجبرته على النكوص»[2].

فالناس أمام هذه المسألة فريقان لكل منهما منهج تشكله خلفية معينة وله هدف معين يترتب على التفاعل مع تلك الخلفية التي تحرك العقول والقلوب؛ فالفريق الأول فريق الكفر، والفريق الثاني فريق الإسلام.

ففي هذه المقالة ننظر كيف يتعامل الفريق الأول فريق الكفر مع هذه المسألة وكيفية تناولها وما مدى الاعتماد عليها ومعرفة المقاصد الحقيقية ليتبين الحق فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وعلى الله تعالى قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهدانا أجمعين ولكن لله تعالى الحكمة البالغة وما ربنا عزّ وجلّ بظلام للعبيد.

فريق الكفر وموقفه من الآثار:
من خلال هذه النقاط التالية يرتسم لنا في الجملة منهج الكفار من علم الآثار وأهميته والأهداف والغايات التي ترجى من خلفه بالإضافة إلى المسالك التي تُتخذ لتحقيق هذه الأهداف:
1-تعريف علم الآثار عند غير المسلمين:
يقول الدكتور ماجد المضيان: «لا يكاد يتفق خبراء الآثار على تعريف ووضع حد معين لفهمه, إلا أننا نحاول أن نخرج بخلاصة ما يذكرونه في تعريف هذا الفن في مصطلح أهل الفن فيقولون: دراسة ما صنع الناس وما فعلوا حتى يمكن فهم كل طريقة من طرق حياتهم. وذلك لأنهم يزعمون أنه لا يمكن أن تظهر الصورة كاملة وواضحة لحياة الناس في السابق إلا عن طريق الدراسة الأثرية للأشياء التي قاموا بها وبصنعها. ومنهم من يعرفه بأنه: علم يبحث عن دراسة مخلفات الأمم السابقة المادية لأهداف إنسانية »[3].

فهذه هي المسميات التي تتحمل المعاني المشتركة التي لا يظهر مقصدها إلا من خلال التطبيق العملي للمفاهيم التي تفرضها الثقافة الغربية لموضوع الأهداف الإنسانية.

2- أول الأمر كان المهتمون بهذا يوصفون بالجنون والهوس والسفه والتفاهة كأمثال الباحث الفرنسي جاك بيرت الذي أبدى اهتمامًا بدراسة المخلفات القديمة من الأدوات الحجرية وعظام الحيوانات واستمر ببحثه من سنة 1254ﻫ-1838م حتى 1257ﻫ-1841م.[4].

3- ثم تطور بعد ذلك علم الآثار وازداد الاهتمام به حتى وصل الأمر إلى أنه أصبح علمًا له أهداف استعمارية تخريبية للعالم الإسلامي وهذا يتضح من خلال النقاط التالية التي أشار إليها د. ماجد المضيان –حفظه الله تعالى ونفع به- في أثناء بحثه مع إضافات من عندي:
أ- أغلب الذين أتوا في الحملة الصليبية على مصر بقيادة نابليون بونابرت 1203ﻫ-1798م كانوا مُنصّرين ودعاة حريصين على تحقيق هذه الغاية قبل كل شيء؛ بدليل أن الكفار هم الوحيدون الذين اهتموا بمسألة التنقيب عن الآثار في البلاد الإسلامية وتوجيه هذه الاكتشافات التوجيه الذي يخدم مصالحهم ومخططاتهم التنصيرية الاحتلالية، بالإضافة إلى تقسيم تلك الآثار على حسب الخلفيات الدينية؛ مثل الآثار الفرعونية والرومانية والإسلامية إلى غير ذلك من التقسيمات ذات المرجعية العقدية.

ب- تظهر آثار التوجيهات من خلال ما قام به المحتلون من خطوات دالة على سوء طويتهم المتسترة خلف هذا العلم الحديث، وهذا يتضح من خلال:
1- العمل على جعل مناط الولاء والبراء هو الانتماء إلى الثقافات التي يُلحق بها الاكتشاف الأثري كما ترى المصريين الآن ينسبون أنفسهم إلى الفراعنة وحضارتهم، فيقول الواحد منهم: «نحن أبناء الفراعنة -أبناء حضارة سبعة آلاف سنة- نحن بناة الأهرامات» في نوع من نجاح المخطط الاحتلالي الذي استعمل هذا العلم للسيطرة على العقول والقلوب ونقض عرى الانتماء لله ورسوله إلى الانتماء لأعداء الله ورسوله.

فالمحتل قام باستخدام علم الآثار ليصرف الأمة الإسلامية عن دينها في كثير من الاتجاهات:
أ- من الناحية العقدية:
• إحياء الوثنية وتعظيمها والتي كانت سببًا في شرك السالفين من الأقوام كما سطّر القرآن الكريم ذلك في قصص الأنبياء كنوح وإبراهيم عليهما السلام.
• تعظيم الآثار التي خلفتها الدول المعادية للإسلام والتوحيد كالفرعونية في العصور المتقدمة ثم الدول التي قامت في كثير من البلدان الإسلامية كالدولة الفاطمية العبيدية في مصر والصفوية في بلاد فارس.

ب- الناحية العملية:
رصد الأموال لحفظ هذه الآثار وإنشاء المعاهد والمؤسسات التي تُرصد لها الميزانيات الضخمة التي تؤثر على الميزانيات الأخرى الأكثر أهمية كالتعليم والصحة والدفاع في نوع من توهين الاقتصاد العام للدول الإسلامية.

• اتخاذ الأعياد والمناسبات التي تُعظم فيها الأصنام والمقابر والقطع الحجرية والمعدنية المكتشفة.

2- استخدام آليات منظمة لتفعيل السيطرة الثقافية والفكرية على العالم الإسلامي والتهويل من شأن هذه الاكتشافات وتفخيمها وإحاطتها بهالة من التمجيد والتبجيل مع إبراز سمو مرتبة الانتساب لها.

3- ربط مدى التقدم والتحضر والرقي بالحضارات السالفة التي تحيا الشعوب على أطلالها مما يؤدي إلى وسم رافضي ذلك بالتخلف والرجعية والتأخر.

4- رصد الجوائز للاكتشافات الأثرية وإضفاء ألقاب التعظيم والتبجيل على المشتغلين بذلك العلم والبحث والتنقيب عن الآثار على خلاف الموقف ممن يقدمون الخير الحقيقي للبشرية المستحق التعظيم والتقدير.

5- حمل الحكومات على سن القوانين الوضعية التي تجعل الآثار ملكية قومية تتولى الحكومات رعايتها وتجريم التعدي عليها بالغرامة والحبس.

6- عمل أيام سنوية لتعظيم الاكتشافات الأثرية وتعظيم بعض ما تم اكتشافه من باب التذكير ولفت انتباه الناس لأهمية هذا الشيء في حياتهم مما يجعلهم ينصرفون عن كثير من القضايا المعاصرة التي تعانيها الشعوب.

7- اتخاذ التنقيب عن الآثار ذريعة للوجود في البلدان الإسلامية مما يمثل خطورة على المجتمع الإسلامي من أوجه متعددة تتمثل فيما يلي:
أ- أعمال التجسس على الشعوب الإسلامية والنظم الحاكمة والخطوط الثقافية التي تموج بها المجتمعات من أمثلة ذلك ما ذكره الدكتور ماجد المضيان عن محمد حرب الذي ترجم مذكرات السلطان عبد الحميد والتي ذكر فيها واحدة من تلك الوقائع تحت عنوان «التجسس لاكتشاف البترول عن طريق الأبحاث الأثرية»[5].

وكذلك ما أشار إليه حول «كرستيان سنوك هورفيند» أشهر مستشرق هولندي في الجزيرة العربية وأندونسيا والذي كان والده قسيسًا ودرس اللاهوت ثم اتجه لدراسة الإسلام ثم اعتناقه احتيالا إلى أن كُشف أمره ولُقب بالخائن لأعماله الجاسوسية التي نمت عنها التوجيهات التي توصل إليها بعد البقاء قرابة سبعة عشر عامًا في البلاد الإسلامية تحت مسمى الدراسة والبحث الأثري ودراسة الشعوب وتلك التوجيهات مضمونها كما أشار إليه الدكتور ماجد المضيان هو:
1- العمل على الحد من انتشار الإسلام.
2- العمل على كفالة الحرية الدينية وعدم التعرض لغير المسلمين في عقائدهم.
3- عدم سن القوانين التي تعتمد على الشريعة الإسلامية.
4- الحد من هجرة المسلمين لأوربا خوفًا من انتشار الإسلام.
5- التمكين للمنحرفين عن الإسلام من الطوائف الضالة ممن ينتسب إليه كالقاديانية والأحمدية[6].

ب- التجسس على العناصر الإسلامية ونشاطها الدعوي والخيري ونقل هذه الأخبار لعقول التفكير الخارجي لطلب التمويل والدعم لمواجهة هذا النشاط الإسلامي بالفساد والانحلال والتنصير وتأليب الحكومات والشعوب على الإسلاميين تحت مسمى محاربة التخلف والرجعية والإرهاب والتطرف والأصولية الإسلامية.

ج- العمل على تفرقة وحدة المسلمين وتقطيع أواصر العلاقات المبنية على الوحدة والتاريخ والخلفية العقدية الإسلامية إلى التعددية الحضارية التابعة للبقاع المختلفة والثقافات التي كانت تنتمي إليها الدول الإسلامية قبل الفتوحات الإسلامية كالفرعونية والأشورية والبابلية والفارسية.

وذلك مما يفتت القوى ويفرّق الأخوة ما يجعلهم فريسة سهلة للعدوان والغزو الثقافي والعسكري كما هو الواقع المشاهد في الآونة الحالية.

فانظر رحمني الله تعالى وإياك إلى خبث الطوية التي كانت خلف نشأة ذلك العلم وكيف أنه كان من مكايد أعداء الإسلام وذريعة للقضاء على الإسلام والحد من انتشاره والسيطرة على عقول وقلوب أبنائه وصناعة مسوخ تتنكر لدينها وقضاياه وتلحق بالركب الغربي العلماني.

وأما الموقف الإسلامي من علم الآثار ودراسته والاتجار في الآثار واقتنائها وتملكها وتعظيمها فهو بإذن الله تعالى موضوع المقال التالي الذي به يتضح الحق وينجلي في ذهن وقلب كل مسلم ليختار المسلم بأي الفريقين يبتغي اللحاق.
ــــــــــــــــ
[1] دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة الإسلامية - رسالة ماجستير1428م - ط. الهدي النبوي بمصر ودار الفضيلة بالسعودية (ص329).
[2] المصدر السابق (ص334).
[3] المصدر نفسه (ص333).
[4] المصدر نفسه (ص331).
[5] المصدر نفسه (ص356) وما بعدها.
[6] المصدر نفسه (ص359) وما بعدها.

بواسطة : مصطفى مهدي
 0  0  39

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:49 صباحاً الخميس 7 شوال 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم