• ×
الخميس 7 شوال 1439 | 07-27-1439
الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر

احذروا هذه الضلالة

احذروا هذه الضلالة

الحمد لله وحدَه.

وبعد:
• فيحدث أنَّ بعضَ الناس يهمُّ بسفرٍ، أو يَمضِي لحاجةٍ، أو يبدأ مشروعًا نافعًا، من زواجٍ ونحوه، فيَعرِض له في أوَّل أمره شيءٌ يكرَهه فيظن أنَّ ذلك سبب أو علاَمةٌ على فشله أو خسارته؛ فيَرجِع عمَّا همَّ به بناءً على ذلك.
• وهذا العمل هو التطيُّر الذي كان عليه أهلُ الجاهليَّة، وهو التشاؤُم بالمسموعات، أو الأصوات، أو المرئيات، أو الحادثات، أو الأوقات، أو غيرها من المخلوقات، بحيث إذا عرض له شيءٌ من ذلك في أوَّل أمرِه تَشاءَم به ورجَع عنه.
• والتشاؤم - أو التطيُّر - عقيدةٌ فرعونيَّة، وخصلةٌ شركيَّة وصفةٌ جاهليَّة، ذَمَّ الله - تعالى - بها المشركين، وتوعَّدَهم عليها في كتابِه المبين؛ زجرًا للمُخاطَبين واللاحِقين؛ قال - تعالى - عن آل فرعون: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 131]، وقال - سبحانه - عن قوم صالح - عليه السلام -: ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ [النمل: 47]، وقال عن أصحاب القرية أنهم قالوا لرسلهم: ﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ [يس: 18، 19].
• فتضمَّنت الآيات ذمَّ المتطيِّرين، المتشائِمين بالجهل والفتنة والإسراف، وكلُّها أوصافٌ تدلُّ على السَّفَه ونقصِ العقل، والسعي في الهلاك والخسران، وكفى بذلك تشنيعًا على المتشائمين، وخزيًا لهم بين العالمين؛ لما عليه من الشرك المبين والحنث العظيم.
• وقد كان أهل الجاهليَّة يَتَشاءَمون بالطيور والحيوانات، فإذا وقَع البوم على دارِه قال: هذا ينعى نفسًا؛ يعني: إنَّه سيموت، وإذا خرَج لسفرٍ فمرَّ من يساره غرابٌ أو نحوه تَشاءَم ورجَع عن سفره؛ خوفًا من الخسارة والهلاك، وهكذا من الناس مَن إذا خرج لعمله أو لحاجة فرأى حادِثًا مروريًّا أو جنائيًّا ساء ظنُّه بربِّه، وتوقَّع أن يحلَّ به مثله، وربما رجَع إلى داره وترك حاجته بسبب ما رأى.
• وقد نهى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الطِّيَرة - التشاؤم - وأبطَلَها، وزجَر عنها وأخبر أنها شرك؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا عدوى ولا طِيَرَة))؛ يعني: لا عدوى مؤثِّرة بنفسها، ولا طيرة أصلاً، وإنما هو توهُّم يجده الشخصُ في نفسه يُلقِيه الشيطان على قلبه، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا عدوى)) نصٌّ يَتضمَّن النهيَ، وهو أبلغُ منه؛ ففيه النهيُ عن الطِّيَرة، فكأنَّه قال: لا تتطيَّروا فإنَّ الطِّيَرة مجرَّد وَهْمٍ؛ إذ ليست سببًا في المكروه ولا علامَة عليه، وإنما هي وساوس شيطانيَّة، وفي "سنن أبي داود" وغيره عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ))، وروى الإمام أحمد وغيره عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن ردَّتْه الطِّيَرة - أي: التشاؤم - عن حاجَتِه فقد أشرَك)).
• وفي هذا الحديث لفتةٌ كريمة لحقيقةِ الطِّيَرة الشركيَّة - وهي التشاؤم - وأنها ما ردَّ الشخص عن حاجَتِه، فمتى ترَك حاجته مُتشائِمًا فقد أشرَكَ، ومثله ما جاء في حديث ابن عباس - رضِي الله عنْهما - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنما الطِّيَرة ما أمضاك أو ردَّك))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ولا تردُّ مسلمًا))؛ يعني: الطِّيَرة، وهو نهيٌ أن يَرجِع المرء عمَّا هَمَّ به بسبب التشاؤم، فإنْ رجَع كان ذلك طعنًا في إسلامه؛ ولذا قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ليس مِنَّا مَن تطيَّر أو تُطيِّر له...)) إلخ.
• وإنما كانت الطِّيَرة شركًا والمتطيِّر مشركًا لأنَّه بالطِّيَرة تعلَّق قلبُه بغير الله، واعتَقَد أنَّ ما تَشاءَم به يتصرَّف مع الله، وذلك شركٌ في الربوبيَّة والإلهيَّة، إضافةً إلى ما في التشاؤم من سوء الظنِّ بالله - تعالى - والاستِدلال بالطِّيَرة على شيءٍ من الغيث، وذلك كذبٌ على الله - تعالى - إلى غير ذلك من العقائد الفرعونيَّة والخصال الجاهليَّة الكفريَّة.

• وشرك المُتَطيِّر - المُتشائِم - بسبب اعتِقاده فيما عرض له من مكروهٍ مرئي أو مسموعٍ أو معلومٍ متفاوتٌ:
أ- فإن اعتَقَد أنَّ لما تَشاءَم به تأثيرًا مُستَقِلاًّ في حدوثِ ما يكره، فهو شركٌ أكبر مُخرِجٌ من الملة، وهو شركٌ في الربوبيَّة، مَن مات عليه حبط عمله، وحُرِم المغفرة والجنَّة، وهو خالدٌ مخلد في النار.
ب- أمَّا إن اعتَقَد أنَّ ما تَشاءَم به مجرَّد سبب في ذلك هو شركٌ أصغر؛ لأنَّه اعتَقَد شيئًا من التأثير، حيث جعَل ما ليس سببًا لا قدرًا أو شرعًا سببًا، وذلك نقصٌ في كمال التوحيد الواجِب، وذريعةٌ إلى الشرك الأكبر، وفي مغفرته خلافٌ.
جـ- أمَّا إن اعتقد أنَّه مجرَّد علامة على وقوع المكروه فهذا كذبٌ، وقد يدخل في ادِّعاء علم الغيب بواسطة العَلامات التي يفتَرِضها فيلحق بالشرك الأكبر.
د- ولو لم يكن في التشاؤم والطِّيَرة إلا التشبُّه بآل فرعون وأشباههم من الكفَرَة وأهل الجاهلية لكفى؛ فإنَّ مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم، وعلى خطر أن يُحشَر معهم.

• وبذلك يتبيَّن لك أخي المسلم أنَّ الطِّيَرة - التشاؤم - خرافةٌ وضلال، وشركٌ وجاهلية، وسببٌ للهلاك والخسران، ويعرّض صاحبه لأنواع العقوبات وألوان المَثُلات، فاحذَرْها وحَذِّر منها، واجتنب أهلها، واسأل ربَّك العصمة منها.
• فإذا عرفت شرَّ الطِّيَرة والتشاؤم وسوء عواقبها في الدنيا والآخِرة، فاعلم أنَّ ممَّا يدخل فيها قولَ بعضهم: خير يا طير، للشيء الطارئ أو الجديد، أو قول بعضهم للمسافر: على الطائر المأمون، والتشاؤم بحركة العين أو طَنِين الأذن.
وكذلك اعتِقادُ بعض العوام أنَّه إذا سُمِّي باسمه أحدٌ من أولاده أو أحفاده أنَّه سبب لموته، واستفتاح بعضهم البيع لأوَّل زبون يأتيه أوَّلَ النهار؛ لاعتِقاده أن رَدَّه شؤمٌ، والتشاؤم بشهر صفر أو شهر شوال أو يوم الأربعاء، ونحو ذلك، وإذا فتَح أحدهم دكَّانه فجاءه رجلٌ أعمى أو أعور أو صاحب عاهة تشاءَم ذلك اليوم.
• وفنون الناس في التشاؤم لا حصرَ لها؛ لأنَّ جهلهم وتصرُّفاتهم بمقتضى الجهل لا حصرَ لها.
• فإنْ وقَع في نفسك أخي المسلم شيءٌ من التشاؤم بسبب وساوس الشيطان، فجاهِد نفسَك عنه، وامضِ لحاجتك مُتوكِّلاً على ربِّك، محسِنًا الظنَّ به، مُتضرِّعًا إليه بصادق الدعوات، قائلاً: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيِّئات إلا أنت، ولا حول ولا قوَّة إلا بك، وقُل: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، وقُلْ: آمَنت بالله ورسله، ولا تستَرسِل مع وساوس الشيطان، بل اشتغل بما ينفَعُك ومنه: أن تمضي لحاجتك وتُكثِر ذكرَ ربك، عصَمنِي الله وإيَّاك وإخواننا المسلمين من الطِّيَرة ومن الشرك كله، كبيره وصغيره، ظاهره وخفيه، دقيقه وجليله، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.

بواسطة : الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر
 0  0  61

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:42 صباحاً الخميس 7 شوال 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم