• ×
الأحد 10 شوال 1439 | 07-27-1439
سيد مبارك

تفسير: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

تفسير سورة الفاتحة
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

إعراب الآية:

﴿ صِرَاطَ ﴾: بدل من صراط الأول، تبعه في النصب، وعلامة نصبه الفتحة.

﴿ الَّذِينَ ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه.

﴿ أَنْعَمْتَ ﴾: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير الرفع، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل.

﴿ عَلَيْهِمْ ﴾: على: حرف جر، والهاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر بـ (على)، متعلق بـ(أنعمتَ)، والميم حرفٌ لجمع الذكور.

﴿ غَيْرِ ﴾: بدل من اسم الموصول (الذين) تبعه في الجر.

﴿ الْمَغْضُوبِ ﴾: مضاف إليه مجرور.

﴿ عَلَيْهِمْ ﴾: كالأول في محل رفع نائب فاعل للمغضوب، الواو عاطفة، (لا) زائدة لتأكيد النفي.

﴿ الضَّالِّينَ ﴾: معطوف على (غير) مجرور مثله، وعلامة الجر الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: (أنعمت عليهم...) لا محل لها صلة الموصول [1].

روائع البيان والتفسير:

قال ابن كثير: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]، هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69، 70][2].

وقال ابن العثيمين: الناس ثلاثة أقسام: منعَم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون.

وتأمل البلاغة العظيمة قال: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ولم يقل: المنعَم عليهم.

والأمة الغضبية ماذا قال؟ ﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾، ولم يقل: الذين غضبتَ عليهم؛ لأن هذه الأمة الغضبية مغضوب عليها من قِبَل الله، ومن قِبَل أولياء الله.

والضالُّ ضد المهتدي، فالناس ثلاثة أقسام:

القسم الأول: عالم بالحق وعامل به: هذا منعَم عليه، فكأن الذي يقول: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، كأنه يسأل الله العلم والعمل.
القسم الثاني: عالِم بالحق، مستكبر عنه، وهذا مغضوب عليه.
الثالث: جاهل بالحق، وهذا ضال.
المغضوب عليهم اليهود، والمغضوب عليهم النصارى، بعد بعثة الرسول - عليه الصلاة والسلام.
النصارى قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضالون، لكن بعد بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلمهم بالحق؛ صاروا من قسم المغضوب عليهم، لاحظوا أنكم تجدون في كثير من كتب المفسِّرين أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، هذا قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن اليهود جاءهم عيسى - عليه السلام - بالحق واستكبروا، فعلموا الحق واستكبروا عنه، والنصارى ما جاءهم بعد عيسى - عليه السلام رسولٌ، لكنهم تاهوا.

بعد مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - صار النصارى مثل اليهود بعد مجيء عيسى؛ يعني: قامت عليهم الحجة، فهم مغضوب عليهم ملعونون، كما لعن اليهود وغضب عليهم، قال نبينا - عليه الصلاة والسلام -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى))، ومع الأسف أنه يوجد الآن بيننا - وفي بيوتنا - خدم ومربِّيات كما يزعمون من أمةٍ غَضِب الله عليها ولعنها والعياذ بالله!

وإني لأعجب، كيف تتردى أحوال المسلمين إلى هذه الحال، يربون أعداءهم بالمال وبالحفاوة، إلى حدِّ أن وصل ضعفُ الدين ونقص العقل، فصار الواحد يقول: إخواننا اليهود والنصارى، نعوذ بالله، إذا رأيت أن يكونوا إخوانك فأنت مثلهم"؛[3] اهـ.

وقال الشنقيطي في الأضواء:

لم يبيِّن هنا مَن هؤلاء الذين أنعم عليهم؟ وبيَّن ذلك في موضع آخر، بقوله: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].

ثم قال: "يؤخَذ من هذه الآية الكريمة صحَّة إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأنه داخلٌ فيمَن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم - أعني الفاتحة - بأن نسألَه أن يهديَنا صراطهم؛ فدلَّ ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم.

وذلك في قوله: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]، وقد بيَّن الذين أنعم عليهم، فعَدَّ منهم الصدِّيقين.

وقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - أن أبا بكر - رضي الله عنه - من الصدِّيقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسألَه الهداية إلى صراطهم، فلم يبقَ لَبْسٌ في أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق[4].

وقال الواحدي[5] في الوجيز: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾؛ أي: غير الذين غَضِبت عليهم، وهم اليهود، ومعنى الغضب من الله - تعالى - إرادة العقوبة.

﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾؛ أي: ولا الذين ضلُّوا، وهم النصارى، فكأن المسلمين سألوا الله - تعالى - أن يهديَهم طريق الذين أنعم عليهم، ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود، ولم يضلوا عن الحق كما ضلَّت النصارى[6]

بواسطة : سيد مبارك
 0  0  25

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:44 صباحاً الأحد 10 شوال 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم