• ×
الخميس 5 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
سيد مبارك

تفسير: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون)

تفسير قوله تعالى
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
(سورة البقرة: الآية 29)

إعراب مفردات الآية [1]:

(كيف) اسم استفهام للتعجّب مبنيّ في محلّ نصب حال من الواو في (تكفرون)، وهو العامل مضارع مرفوع والواو فاعل (باللّه) جار ومجرور متعلّق ب (تكفرون)، الواو حاليّة (كنتم) فعل ماض ناقص مبنيّ على السكون و(تم) ضمير متّصل في محلّ رفع اسم كان (أمواتا) خبر كان منصوب الفاء عاطفة (أحيا) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر و(كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (ثمّ) حرف عطف في المواضع الثلاثة (يميت) مضارع مرفوع (كم) مفعول به والفاعل هو (يحييكم) مثل يميتكم... (إلى) حرف جرّ والهاء ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بـ(ترجعون) وهو مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع والواو ضمير متّصل في محلّ رفع نائب فاعل. اهـ.

روائع البيان والتفسير

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ قال ابن كثير في تفسيره:

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ أي: قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ ﴾ [الطور: 35، 36]، وقال ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1] والآيات في هذا كثيرة.اهـ[2]

﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ذكر ابن العثيمين في تفسيرها - رحمه الله -: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾: وذلك قبل نفخ الروح في الإنسان؛ ﴿ فَأَحْيَاكُمْ ﴾ أي بنفخ الروح؛ ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ ثانية؛ وذلك بعد أن يخرج إلى الدنيا؛ ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ الحياة الآخرة التي لا موت بعدها؛ ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾: بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها..

وزاد بياناً شافياً في فوائد الآية عن الجزئية الأخيرة من الآية فقال - رحمه الله -:

﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقال تعالي: ﴿ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ [يس: 78]؛ فأقام الله. تبارك وتعالى. على إمكان ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة "يس".

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [يس: 79]: هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم؛ وقوله تعالى: ﴿ أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ دليل قاطع، وبرهان جليّ على إمكان إعادته كما قال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم: 27]..

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ [يس: 79] يعني: كيف يعجز عن إعادتها وهو سبحانه وتعالى بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق..

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: 80]: الشجر الأخضر فيه البرودة، وفيه الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ هذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكان الناس فيما سبق يضربون أغصاناً من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوها انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال بسرعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: 80] تحقيقاً لذلك..

ووجه الدلالة: أن القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظام وهي رميم..

الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى ﴾ [يس: 81].

ووجه الدلالة: أن خلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونه..

الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [يس: 81]؛ فـ ﴿ الْخَلَّاقُ ﴾ صفته، ووصفه الدائم؛ وإذا كان خلَّاقاً، ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظام وهي رميم..

الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]: إذا أراد شيئاً مهما كان؛ و ﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم؛ ﴿ أَمْرُهُ ﴾ أي شأنه في ذلك أن يقول له كن فيكون؛ أو ﴿ أَمْرُهُ ﴾ الذي هو واحد "أوامر"؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: "كن"، فيعيده مرة أخرى..

ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى لا يستعصي عليه شيء أراده..

الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾: كل شيء فهو مملوك لله عزّ وجلّ: الموجود يعدمه؛ والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء.

ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى نزه نفسه؛ وهذا يشمل تنزيهه عن العجز عن إحياء العظام وهي رميم.

الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾..

ووجه الدلالة: أنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة، ويأمرها، وينهاها، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن، والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدًى؛ بل لابد من الرجوع؛ وهذا دليل عقلي..

فهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم جمعها الله عزّ وجلّ في موضع واحد؛ وهناك أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآن؛ وكذلك في السنة.. اهـ[3]

بواسطة : سيد مبارك
 0  0  29

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:36 مساءً الخميس 5 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم