• ×
الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
سيد مبارك

تفسير: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)


تفسير قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة: البقرة - الآية: 23)

إعراب مفردات الآية [1]:

الواو استئنافية (إن) حرف شرط جازم (كنتم) فعل ماض ناقص مبني على السكون في محلّ جزم فعل الشرط والتاء ضمير متّصل في محلّ رفع اسم كان والميم حرف لجمع الذكور (في ريب) جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر كان (من) حرف جرّ (ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ ب (من) متعلّق ب (ريب). (نزّلنا) فعل ماض مبنيّ على السكون و(نا) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل (على عبد) جارّ ومجرور متعلّق ب (نزّلنا)، و(نا) ضمير متّصل مضاف اليه في محلّ جرّ.

الفاء رابطة لجواب الشرط (ائتوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل (بسورة) جارّ ومجرور متعلّق ب (ائتوا). (من مثل) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت من سورة، والهاء ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف اليه. الواو عاطفة (ادعوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل. (شهداء) مفعول به منصوب و(كم) مضاف اليه (من دون) جار ومجرور متعلّق بمحذوف حال من شهداء (اللّه) لفظ الجلالة مضاف اليه مجرور (إن كنتم) تعرب كالسابق (صادقين) خبر كنتم منصوب وعلامة النصب الياء. اهـ.

روائع البيان والتفسير

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ قال القرطبي في تفسيرها وبيانها:

أي في شك. ﴿ مِمَّا نَزَّلْنا ﴾ يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تحدوا، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وإنا لفي شك منه، فنزلت الآية. ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الاولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه، وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده. قوله: ﴿ عَلى عَبْدِنا ﴾ يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، فسُمي المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه.اهـ[2].

وزاد ابن العثيمين - رحمه الله - في بيان مقصود الآية ودلالتها فقال:

وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ لكن شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد القصد؛ والثاني: توحيد المتابعة؛ فكلاهما توحيد؛ لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصاً لله؛ والثاني توحيد المتابعة بأن لا يتابع في عبادته سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا تأملت القرآن وجدت هكذا: يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة؛ ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [المؤمنون: 68]، ثم قال تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ [المؤمنون: 69]؛ وهذا مطَّرد في القرآن الكريم..

ثم قال - رحمه الله - ما هو من روائع التفسير وبلاغته:

﴿ فِي رَيْبٍ ﴾: "الريب" يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن "الريب" يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك؛ وذلك؛ لأن ما جاء به الرسول حق؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال: "ريب"؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً..[3].



﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ قال ابن كثير بتصرف:

﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ ﴾ من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك.

ثم قال رحمه الله عن تفسير قوله تعالي ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾: "قال ابن عباس: ﴿ شُهَدَاءَكُمْ ﴾ أعوانكم أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك وقال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم..

ثم قال: وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [القصص: 49] وقال في سورة سبحان: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88] –وذكر رحمه الله آيات أخرى .اهـ[4].

وللسعدي في تفسيرها فائدة جليلة قال ما مختصره:

"فهذا آية كبرى، ودليل واضح جلي على صدقه وصدق ما جاء به، فيتعين عليكم اتباعه، واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة والشدة، أن كانت وقودها الناس والحجارة، ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب، وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله. فاحذروا الكفر برسوله، بعد ما تبين لكم أنه رسول الله.

وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي، وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾.

وكيف يقدر المخلوق من تراب، أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟ أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه، أن يأتي بكلام ككلام الكامل، الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من كل الوجوه؟ هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة بأنواع الكلام، إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء، ظهر له الفرق العظيم. اهـ[5].

[1] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق ( 1/ 75 ).

[2] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي- الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة ( 1 / 231 ).

[3] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (3 / 48 ).

[4] تفسير القرآن العظيم لأبن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع ( 1/ 198 ).

[5] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 1/ 45 ).

بواسطة : سيد مبارك
 0  0  26

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:50 مساءً الأربعاء 4 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم