• ×
الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439

تفسير: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق)

تفسير قوله تعالى:
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾
سورة (البقرة) الآية: (19)

إعراب مفردات الآية [1]:

(أو) حرف عطف "إما للشك وإمّا للتخيير وإمّا للإباحة وإمّا للإبهام"، (كصيّب) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلهم، وفي الكلام حذف مضاف أي مثلهم كأصحاب صيّب "ويجوز ان تكون الكاف اسما بمعنى مثل فهي في محلّ رفع إمّا معطوفة على الكاف في كمثل أو خبر لمبتدأ محذوف. (من السماء) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لـ(صيّب) (في) حرف جرّ و(الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ بحرف الجرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم. (ظلمات) مبتدأ مؤخّر مرفوع و(الواو) عاطفة في الموضعين المتتابعين (رعد، برق) اسمان معطوفان على ظلمات مرفوعان مثله. (يجعلون) فعل مضارع مرفوع و(الواو) فاعل. (أصابع) مفعول به منصوب و(هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (في آذان) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يجعلون) بتضمينه معنى يضعون و(هم) مضاف إليه (من الصواعق) جارّ ومجرور متعلّق ب (يجعلون) و(من) سببيّة "والجارّ والمجرور هنا في موضع المفعول لأجله". (حذر) مفعول لأجله منصوب "أو مفعول مطلق محذوف أي يحذرون حذرا مثل حذر الموت، والمصدر مضاف إلى المفعول" (الموت) مضاف إليه مجرور. (الواو) استئنافيّة أو اعتراضيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (محيط) خبر مرفوع (بالكافرين) جارّ ومجرور متعلّق ب (محيط) وعلامة الجرّ الياء و(النون) عوض من التنوين في الاسم المفرد. ا.هـ.

روائع البيان والتفسير:

﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ فسرها السعدي بقوله:

أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل بكثرة، ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ ﴾ ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات المطر، ﴿ وَرَعْدٌ ﴾ وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، ﴿ وَبَرْقٌ ﴾ وهو الضوء [اللامع] المشاهد مع السحاب. اهـ[2].

وزاد ابن العثيمين في بيان قوله تعالي ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ ﴾ فقال - رحمه الله -:

أي معه ظلمات؛ لأن الظلمات تكون مصاحبة له؛ وهذه الظلمات ثلاث: ظلمة الليل؛ وظلمة السحاب؛ وظلمة المطر؛ والدليل على أنها ظلمة الليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾: وهذا لا يكون إلا في الليل؛ و الثاني: ظلمة السحاب؛ لأن السحاب الكثير يتراكم بعضه على بعض، فيَحدُث من ذلك ظلمةٌ فوق ظلمة؛ و الثالث: ظلمة المطر النازل؛ لأن المطر النازل له كثافة تُحدِث ظلمةً؛ هذه ثلاث ظلمات؛ وربما تكون أكثر، كما لو كان في الجو غبار..

قوله تعالى: ﴿ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾؛ "الرعد" هو الصوت الذي نسمعه من السحاب؛ أما "البرق" فهو النور الذي يلمع في السحاب.. هؤلاء عندهم ظلمات في قلوبهم. فهي مملوءة ظلمة من الأصل؛ أصابها صيب. وهو القرآن. فيه رعد؛ والرعد هو وعيد القرآن؛ إلا أنه بالنسبة لهؤلاء المنافقين وخوفهم منه كأنه رعد شديد؛ وفيه برق. وهو وعد القرآن؛ إلا أنه بالنسبة لما فيه من نور، وهدى يكون كالبرق؛ لأن البرق ينير الأرض.. اهـ[3].



﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ﴾: فسرها ابن العثيمين في سياق شرحة للآية بقوله: الضمير في ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ يعود على أصحاب الصيب؛ ففيها حذف المضاف؛ والتقدير: أصحاب الصيب؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ليس المشبه به هنا هو الصيب؛ وإنما المشبه به الذين أصابهم الصيب؛ و "أصابع" جمع أصبع، وفيه عشر لغات أشار إليها في قوله:

وهمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالثَه التسعُ في إصبعٍ واختم بأصبوع هذا وقد قيل: إن في الآية مجازاً من وجهين؛ الأول: أن الأصابع ليست كلها تجعل في الأذن؛ و الثاني: أنه ليس كل الأصبع يدخل في الأذن؛ والتحقيق: أنه ليس في الآية مجاز؛ أما الأول: فلأن "أصابع" جمع عائد على قوله تعالى: { يجعلون }، فيكون من باب توزيع الجمع على الجمع. أي يجعل كل واحد منهم أصبعه في أذنه؛ وأما الثاني: فلأن المخاطَب لا يمكن أن يفهم من جعْل الأصبع في الأذن أن جميع الأصبع تدخل في الأذن؛ وإذا كان لا يمكن ذلك امتنع أن تحمل الحقيقة على إدخال جميع الأصبع؛ بل الحقيقة أن ذلك إدخال بعض الأصبع؛ وحينئذ لا مجاز في الآية؛ على أن القول الراجح أنه لا مجاز في القرآن أصلاً؛ لأن معاني الآية تدرك بالسياق؛ وحقيقة الكلام: ما دلّ عليه السياق.

ثم استطرد - رحمه الله - فقال: وإن استعملت الكلمات في غير أصلها؛ وبحث ذلك مذكور في كتب البلاغة، وأصول الفقه، وأكبر دليل على امتناع المجاز في القرآن: أن من علامات المجاز صحة نفيه، وتبادر غيره لولا القرينة؛ وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ وإذا وجدت القرينة صار الكلام بها حقيقة في المراد به.[4]

﴿ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ فسرها البغوي في معالم التنزيل فقال - رحمه الله - ما مختصره: ﴿ مِنَ الصَّوَاعِقِ ﴾ جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه. ويقال لكل عذاب مهلك: صاعقة، وقيل الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء.

ثم قال:

﴿ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ أي مخافة الهلاك ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ أي عالم بهم وقيل جامعهم. وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. وقيلك مهلكهم، دليله قوله تعالى ﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ [يوسف: 66] أي تهلكوا جميعًا. اهـ[5]

[1] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق ( 1/ 65).

[2] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة( 1 / 44 ).

[3] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (3 / 36 ).

[4] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (3 / 37 ).

[5] معالم التنزيل للبغوي- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 / 70 ).

بواسطة : زائر
 0  0  47

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:49 مساءً الأربعاء 4 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم