• ×
الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
سيد مبارك

تفسير: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون)

تفسير قوله تعالى:
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾
سورة: (البقرة) الآية: (9)

إعراب مفردات الآية [1]:

(في قلوب) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم و(هم) ضمير متّصل في محل جرّ مضاف إليه (مرض) مبتدأ مؤخّر مرفوع. (الفاء) عاطفة (زاد) فعل ماض و(هم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به أوّل (الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (مرضاً) مفعول به ثان منصوب. (الواو) عاطفة (اللام) حرف جرّ (هم) ضمير متّصل في محلّ جر باللام متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم (عذاب) مبتدأ مؤخّر مرفوع (أليم) نعت ل (عذاب) مرفوع مثله. (الباء) حرف جرّ سببيّ (ما) حرف مصدري "أو اسم موصول في محلّ جرّ بالباء، والجملة بعده صلة، والعائد محذوف". (كانوا) فعل ماض ناقص و(الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع اسم كان (يكذبون) فعل مضارع مرفوع و(الواو) ضمير فاعل.

والمصدر المؤول من (ما) والفعل في محلّ جرّ بالباء متعلّق بمحذوف نعت ثان لـ(عذاب) أي: عذاب أليم مستحقّ بكونهم كاذبين. اهـ.

روائع البيان والتفسير:

• ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ قال القرطبي - رحمه الله -:

قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾: ابتداء وخبر. والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا. والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. قال ابن فارس اللغوي[2]: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر. اهـ[3]

• وقال الطبري في تأويلها ما نصه:

"وأصل المرَض: السَّقم، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان. فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره عن مرض قلوبهم، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد - استغنى بالخبَر عن القلب بذلك والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم.

ثم قال: والمرضُ الذي ذكر الله جل ثناؤه أنّه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه: هو شكُّهم في أمر محمد وما جاء به من عند الله، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به موقنون إيقان إيمان، ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك، ولكنهم، كما وصفهم الله عز وجل، مُذَبْذَبُونَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما يقال: فلانٌ يمَرِّضُ في هذا الأمر، أي يُضَعِّف العزمَ ولا يصحِّح الروِيَّة فيه.

وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك، تَظاهر القول في تفسيره من المفسِّرين." اهـ[4]

• ﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ قال ابن العثيمين في شرحها وبيانها - رحمه الله -:

"الفاء هنا عاطفة؛ ولكنها تفيد معنى السببية: زادهم الله مرضاً على مرضهم؛ لأنهم. والعياذ بالله. يريدون الكفر؛ وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته..

وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بـ ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ [البقرة: 14] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة..

فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها..

• قوله تعالى في مجازاتهم: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ ﴾ أي عقوبة؛ ﴿ أَلِيمٌ ﴾ أي مؤلم؛ فهو شديد، وعظيم، وكثير؛ لأن الأليم قد يكون مؤلماً لقوته، وشدته: فضربة واحدة بقوة تؤلم الإنسان؛ وقد يكون مؤلماً لكثرته: فقد يكون ضرباً خفيفاً؛ ولكن إذا كثر، وتوالى آلَم؛ وقد اجتمع في هؤلاء المنافقين الأمران؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار. وهذا ألم حسي.؛ وقال تعالى في أهل النار: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [السجدة: 20]، وهذا ألم قلبي يحصل بتوبيخهم..

• قوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾: الباء للسببية. أي بسبب كذبهم، أو تكذيبهم. اهـ[5]

[1] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبدالرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق (1/ 49).

[2] أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي؛ كان إماماً في علوم شتى، وخصوصاً اللغة فإنه أتقنها، وألف كتابه المجمل في اللغة، وهو على اختصاره جمع شيئاً كثيراً، وله كتاب حلية الفقهاء، وله رسائل أنيقة، ومسائل في اللغة.

[3] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي- الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة (1 / 197).

[4] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (1 / 279/ 320).

[5] تفسير العلامة محمد العثيمين - مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (3 / 17).

بواسطة : سيد مبارك
 0  0  23

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:13 مساءً الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم