• ×
الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439

من إشكالات وحدة الأديان


من إشكالات وحدة الأديان

منظِّرو الوحدة غير المنضبطة مع مختلف أهل المذاهب والأديان؛ كثيراً ما يعللون محاولاتهم جمع أقطاب متنافرة بنظرية تصويب المجتهدين، كيفما تباينت اجتهاداتهم!! ويجعلون كل مجتهد مصيباً! ولا يريدون بالمصيب صاحبَ الأجر المخالف للحق المعذورَ[1]؛ لكن مَن معه بعض الحق الذي هو نسبي لا يتمحض.

نعم! قد يكون الحق نسبياً بين جملة أهل السنة، لا يتمحض لطائفة من أهلها؛ غير أن هذا لا ينافي كون الحق واضحَ المعالم، تدلُّ عليه البراهينُ المبينة، وهو، وإن خفي بعضه على طائفة من أهل السنة؛ فقد هُدي إليه مجموعُهم، فالحق مع مجموع المنتسبين إليها، لا يخرج الحق عنهم، فإن أجمعوا على أمر؛ كان الحقُّ فيما اتفقوا عليه بغير مرية، وما لم يتفقوا عليه؛ فالحق مع بعضهم فيه، وقد يشركهم فيه غيرُهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل الباطل مع من عداهم.

وإذا تقرر أن بعض الحق قد يكون مع من عداهم؛ فقد يلتقي أناس من مشارب مختلفة على حق وخير، وقد تتقاطع دائرة الحق بين أهل السنة مع بعض المبتدعة.

وتأمل الرسم التالي فهو يصوِّر المراد:

فمن الناحية النظرية يمكن أن يلتقي السني مع الرافضي والماتوريدي والمعتزلي في مسألةٍ هي (نقطة التقاء مشتركة)، ولتكن حبَّ علي رضي الله تعالى عنه بل قد يلتقي الرافضي مع سني في بعض الحق - المختلف فيه بين طوائف من أهل السنة وغيرهم - في (نقطة التقاء محدودة)، ولنمثل لها بنفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لرب العزة في الدنيا بعيني رأسه. وهذا الكلام من الناحية النظرية مقبول في الجملة.

بيد أن التلبيس - أو اللبس - يحصل في البرامج العملية؛ عندما يؤخذ هذا التنظير، فَيُنَزل على إطار يراه المجتمعون المختلفون خارج إطار دائرة الحق المقرر عندهم.

فأما ما كان دائراً في فلك الحق، الذي تقول به طوائفُ من أهل السنة وطوائفُ ممن عداهم؛ فلا يقع الإشكال فيه أصلاً، إلاّ إشكالٌ من قبيل الدائر بين أهل السنة أنفسهم، ولهذا؛ فإن ثمة فرقاً بين مؤتمرات التقريب بين أهل السنة ومؤتمرات التقريب بين الطوائف المِلِّيَّةِ الأخرى، ومع ذلك وللأسف لا يكاد يكون وجود الأولى المرضي كالثانية، والعجيب أن بعضهم يتحمس للثانية، وقد يحجم عن الأولى!!

إن مثار الخلاف ومحل الإشكال بين هذين الفريقين، السنة والشيعة، على سبيل المثال، الذي يعطي خصوصية التسمية والتقييد بهذين؛ ليس هو المشترك بين أرباب المذاهب، فضلاً عن أهل السنة خاصة.

بل إن الحق المشترك بهذا القدر بين بعض أهل السنة، دون بعضهم، وبين بعض أهل البدعة؛ التقريبُ فيه حاصلٌ أصلاً؛ باعتباره قولاً معتبراً عند طوائف أهل السنة المخالفين لأهل الحق من أهل السنة في الجملة.

فلم يبق إلاّ تقريب من قبيل جعل عين الحق وعين الرَّفْض دائرة واحدة، وهذا ما لا يكون إلاّ إذا توحدت الرؤى واتفقت الحقائق المختلفة، إما بتغيير إحداهما، أو بتغيير كليهما؛ حتى تتشابها وتلتقيا في نقطةٍ وسط، لها خصائصُها الخالطة بين الحق والباطل!!

وهذا ما لا ينسجم إلاّ مع أصحاب نظرية الحق النسبي الذي لا يتمحض أبداً؛ فالحق عندهم لا معالمَ توضحه، ولا شريعة تحسم أمر بيانه، بل هو ملتبسٌ مختلطٌ، دائرتُه واسعة، تشمل أصحاب المذاهب المختلفة.

وإذا كان الحق كذلك؛ فلا عجب أن يوسِّع هؤلاء دائرة الحق النسبي؛ فيجعلوا الفِرَقَ الإسلامية البائدة والمعاصرة - جميعهم - من أهل هذا الاجتهاد المصيب قائلُه، وإن تناقضت الأقوال، ومن البدهي أن يكون حديثُ (افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلاّ واحدة..) - في فهم هؤلاء - عائدٌ إلى أمة الدعوة، لا أمة الإجابة.

وهم يحاولون - بذلك - الفرارَ من تخطئة مجتهدي الأمة؛ بحجة كونهم مجتهدين، ومن كان أعظمَ اطِّراداً نحا نحو منهج التقاربيين، القائلين بالملة الإبراهيمية، وتصويب الديانات السماوية!! فهؤلاء طرَّدوا القاعدة فجعلوا الاجتهادَ يتناول أصل الأصول، كما تناول الأصول، كما طرَّدها من تعداهم من مشركي الأمم الوثنية، القائلين بالتقارب مع أهل الأديان السماوية، فالكل مجتهد مريد للحق بزعمهم.

والحق أن هؤلاء سيقعون ولابد في ما فروا منه، أعني: تخطئة المجتهدين؛ فكثير من عقلاء أهل الباطل - على اختلاف مللهم - يخالفونهم؛ لعلمهم بأن جمع النقيضين والتأليف بين الضدين ممتنع! والأهم من هذا كله هو مخالفة أهل الحق لهم، فإن أهل الحق مجتمعون على مخالفتهم وتخطئتهم، فإن خالفوهم؛ جمعوا بين تخطئة الصواب وتصويب الخطأ مع التناقض، وإن صوبهم؛ صوَّبوا الحقَ وقالوا بقول أهله.

[1] انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (13 / 124 - 125).

بواسطة : زائر
 0  0  44

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:52 مساءً الأربعاء 4 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم