• ×
الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
انجوغو مباكي صمب السنغالي

معالم وأساسيات في منهج السلف الصالح رضي الله عنهم

معالم وأساسيات في منهج السلف الصالح [1]
رضي الله عنهم

جِيلٌ فريدٌ ومثَل أعلى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،
فإن جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم ومَن اتَّبعَهم بإحسان - من القرون الثلاثة المفضَّلة من الأمة الإسلامية - تمثِّل أفضلَ ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في التديُّن، إنْ في مجال الفَهم والتصوُّر لحقائق الدين ومبادئه الأساسية، أو في مجال العمل والتطبيق لشعائره وشرائعه؛ قال تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُ الناس قَرْني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يلونهم...))؛ رواه البخاري ومسلم.

حَيث تَضَافَرَت النُّصوص الشرعية، والشواهد التاريخية، والعوامل الحضاريَّة في رسم المعالم الأساسية للمنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون لهم رضي الله عنهم فأخرجت جيلاً فريدًا، لن تجود الأيام بمثله أبدًا.

وكل كمال في الفَهْم والتَّصوُّر، وكذلك في العمل والتطبيق لأي جيل من الأمة الإسلامية - يُقاس بمدى القرب أو البُعد مِن ذلك النموذج الفذِّ، وكذلك النقص في الأمرين؛ قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137].

ولقد كانت نتيجةُ تَمَثُّلِ ذلك الكمال العلمي والعملي من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان - الحصولَ على رضوان الله تعالى، والفوز بجنته يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].

فلذلك أصبح من ضرورات الدعوة والتربية في هذه الفترة المهمة من مراحل (الصحوة الإسلامية) المتنامية - بيانُ الْمَعَالم والأساسيات لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى بغيةَ فَهمِها فَهمًا صحيحًا وشاملاً، ثم تَمثُّلها في العمل والتطبيق تمثُّلاً صحيحًا، حتى نستدرك ما فات مِن فضل الصحبة بحسن الاتِّباع، فنفوز برضوان الله تعالى، وبجنات النعيم - إن شاء الله.

مَن هم المقصودون بالسلف الصالح؟
1 - السلَفُ - لغَةً -: هو ما تقدَّم على غيره من عمل أو عين، قال ابن عباد: "هو ضد الخلَف، والأمم السالفة: هي الماضية أمام الغابرة، وهي السوالف".

وقال الفيروزابادي: "كل عمل قدَّمتَه، أو فَرَط فرط لك، وكل من تقدمك من آبائك وقرابتك" [2].

2 - السلف في الاصطلاح: أما المعنى الاصطلاحي للسلف، فيقول الباحث عبد الله الأثري: "إذا أُطْلق السلف عند علماء الاعتقاد، فإنما تدور كل تعريفاتهم حول الصحابة، أو الصحابة والتابعين، أو الصحابة والتابعين وتابعيهم من القرون المفضلة، مِن الأئمة الأعلام المشهود لهم بالإمامة والفضل، واتباع السنة والإمامة فيها، واجتناب البدعة، والحذر منها، وممن اتَّفَقَت الأمَّة على إمامتهم وعظيم شأنهم في الدين" [3].

3 - السلفية: ولفظ السَّلَفِيَّة الدارج على ألسنة العلماء والدعاة أصبح عَلَمًا على طريقة السلف الصالح في تلقي الإسلام وفَهمِه وتطبيقه، وبهذا فإن مفهوم السلفية يطلق على المتمسِّكِين بكتاب الله، وما ثبت عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمسُّكًا كاملاً بفهم السلف"[4].

والسلفية: هي منهج عامة فصائل الدعوة وتيارات الصحوة المنتمية إلى الكتاب والسنة، وحظهم في التحقق بها، على تفاوت حسب تفاوتهم في صحة الفهم وشمولية التطبيق.

فضل السلف الصالح:
للسلف الصالح رضي الله عنهم فضائلُ عظيمة، ومناقب جليلة، وردت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولهجَت بها ألسِنَة الثِّقَات من أئمَّة المسلمِين في كل عصر ومصر، وهذه نُبْذة يسيرة من تلك الفضائل والمناقب:
1) شهادة الله لهم بصحة الإيمان:
قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137].

2) شهادة الله لهم بالصدق وعدم التحريف والتبديل:
قال تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ [الأحزاب: 23].

3) إخبار النبي عن خَيْرِيَّتهم على من سواهم من الأمة:
في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم...))؛ رواه البخاري ومسلم.

4) حُلُولُ رضوانِ الله عليهم، وفَوْزُهم بالجنة، ونجاتهم من النار:
قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].

المعالم الأساسية لمنهج السلف الصالح:
هنالك معالمُ أساسية، وخصائص جلية تميّز منهج السلف الصالح في الفَهْم والتصور، والعمل والتطبيق عن جميع المناهج، ولعل مِن أهم تلك المعالم والخصائص ما يلي:
1) الأصالة:
المعلم الأساس الأول من معالم منهج السلف الصالح رضي الله عنهم هو الأصالة الشرعية، والمقصود منها هو موافقة الكتاب والسنة، والتقيُّد بهما في جميع تعاليم الدين.

فعقيدَتُهم في الله ورسوله وفي سائر أركان الإيمان، وكذلك أعمالُهم وأخلاقهم، هي ما دلَّهم عليه الوحي بشقَّيْه: الكتابِ المنزل من عند الله تعالى، وبيانِه الذي هو أقوال النبي وأفعاله وتقريراته - صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: 2].

وليست قَطُّ ميراثَ أجدادٍ وآباء، كعقيدة المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 104]، ولا خليطًا مِن تعاليم الرسل وأهواء البشَر، كعقيدة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ [المائدة: 13].

ولم يكن دينُهم أيضًا خلاصةَ تجارب بشرية، أو نتائج صراعات فلسفية، كشأن الديانات الوثنية الوضعية في كل زمان ومكان.

2) السماحة:
إن الإسلام هو الحنفيَّةُ السَّمحة، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فعَن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله، ائذَنْ لي في الاختصاء، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أبْدَلَنا بالرهبانية الحنفيةَ السمحة، والتكبير على كل شرَف، فإن كنت منّا، فاصنع كما نصنع))[5].

وهو الدين القيّم، الذي أمر الله عباده أن يَتَّبعوه؛ فقال جل جلاله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ ﴾ [الروم: 43].

وهذه السماحة في تعاليم الإسلام ومبادئه انعكست بصورة واضحة وجلية في منهج السلف الصالح رضي الله عنهم فلقد كانت عقيدتُهم غاية في البساطة والوضوح، وكانت عباداتهم غاية في السهولة واليسر، وأخلاقُهم غاية في الفضل والواقعيَّة.

3) الشمولية:
السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان يؤمنون بالكتاب كلِّه، ويدخلون في السِّلْم كافَّة؛ ولذلك لم ينصر الدينَ أحدٌ مثلهم؛ لأنه لم يُحِط بالدين أحدٌ من جميع جوانبه كإحاطتهم له من جميع جوانبه.

وقد وصفهم الله في آيةٍ كريمةٍ بيَّنت شموليَّة منهجهم، وتعدد مناقبهم، وتنوع فضلهم؛ فقال جل من قائل: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ [الفتح: 29].

فقد جمع الله لهم في هذه الآية الكريمة أصولَ الأخلاق الإسلامية والخصال الإيمانية، وهي:
• الإيمان بالله تعالى: وذلك في قوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح: 29].
• والاجتهاد في العبادة والطاعة: وذلك في قوله تعالى: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ [الفتح: 29].
• وموالاة المؤمنين ومحبتُهم: وذلك في قوله تعالى:﴿ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29].
• ومعاداة الكافرين وبغضُهم: وذلك في قوله تعالى: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ﴾ [الفتح: 29].

الأمر باتباع السلف:
جاء في الكتاب الكريم، والسنّة النبوية المطهرة الأمرُ باتِّباع السلف الصالح والاقتداء بهم رضي الله عنهم ومما ورد في ذلك ما يلي:
1) الأمر باتِّباع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ))؛ رواه أبو داود.

2) التَّمَسُّك بمنهج السلف عصمةٌ من الضلال والفرقة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كُلُّها في النار إلا واحدة))، قالوا: ما هي؟ قال: ((مَنْ كان على ما أنا عليه وأصحابي)).

3) النَّهْيُ عن مخالفة سبيل المؤمنين:
قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

خاتمة:
في نهاية هذه المحاضرة نريد أن نُلَخِّص ما سبق من كلام في النقاط التالية:
1- السلف الصالح: هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، من الثلاثة القرون المفضلة.

2- فضل السلف وخيريتهم على جميع الأمة الإسلامية.

3- مِن أهم المعالم الأساسية لمنهج السلف رضي الله عنهم: الأصالة، والسماحة، والشمولية.

4- وجوب اتباع السلف الصالح في الفهم والتصور، والعمل والتطبيق، والدعوة والجهاد.

والله ولي التوفيق.

____
[1] محاضرة ألقيت في مخيَّم شباب جماعة عباد الرحمن في سان لويس بتاريخ 25 من أغسطس 2008م.
[2] انظر: "المحيط في اللغة"، لابن عبَّاد، و"القاموس المحيط"، للفيروزابابدي، مادة (س ل ف).
[3] "الوجيز في عقيدة السلف الصالح"، لعبدالله بن عبدالحميد الأثري، ص 15.
[4] "الوجيز في عقيدة السلف الصالح"، ص 22.
[5] رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، رقم 5386.

بواسطة : انجوغو مباكي صمب السنغالي
 0  0  26

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:09 مساءً الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم