• ×
الخميس 5 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
الشيخ عبدالله بن حمد الشبانة

يا حسناء، قليلاً من الإنصاف

يا حسناء، قليلًا من الإنصاف

كتبت الأكاديمية (السعودية) الدكتورة حسناء القنيعير مقالًا بجريدة الرياض، نشرتْه لَها على جزأَيْن، بعنوان: "عودة الوعي ونشوة التحريم"، عن موضوع الساعة في بلادنا: "الاختلاط"، وقالتْ فيه ما أرادتْ أن تقولَه: وعبَّرتْ عنْ رأيهَا بكلِّ وُضوحٍ يدل على ما باتتْ تنعم به بلادُنا من حرِّية في إبداء الرأي، لَم يقدِّرها الكثير منَ الكتَّاب حق قدْرها؛ حيث تجاوَزُوا فيها الحدود، واقتربوا كثيرًا منَ الخطوط الحمراء، بل إنَّ بعضهم تجاوز تلك الخطوط، فوقعوا فيما يخالِف أصول العقيدة، وثوابت الدِّين.

شنَّتْ أكاديميتنا التي تكتب كثيرًا عن قضايا تهُمُّ المجتمع، فتجنح إلى ما تُسَمِّيه تجديدًا في الخطاب، وتحديثًا للمجتمع، أو ما تعتقده هي ونفرٌ منَ الكتَّاب والأُدباء والمثقَّفين في بلادنا تنويرًا، وهو ادِّعاء يحتاج إلى دليلٍ بل أدلة مُقنعة على كونه تنويرًا - كما يزعمون.

أقول: شنتْ تلك "الحسناء" هجومًا صارخًا واستعدائيًّا ضمْن مقالِها المذْكور في جُزئِه الثاني والأخير، المنشور يوم الأحد 10/ 1 / 1431هـ - على واحدٍ من رموز الدعوة الإسلامية في بلادنا، لَم يُعرَف عنه إلا الخير والحرص على كلِّ فائدة ونفعٍ لوطننا ومواطنينا في المقام الأول؛ من دعوة إلى الله، ودلالة على الخير، ونشر للعلم، وبيان لأمور الدين وتعاليمه المتمثِّلة في "قال الله، وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم"، فهل يستحق مَن يَقُوم بذلك، ويبذل غالبَ وقته فيه، ذلك الهجوم الكاسح؛ لمُجَرَّد أنه خالف ما تعتقده أكاديميتنا الفاضلة - هداها الله - فأين الإنصاف؟! وأين العدل في الأحكام؟! وأين ما يَتَشَدَّق به التنويريُّون - كما يُسَمُّون أنفسهم - الذين يُريدون تجديد الخطاب الديني، وتخْليصه منَ التشدُّد - كما يزعمون؟! أين هم مما يَتَشَدَّقون به صباح مساء، من أنهم ضد الإقصاء، وأنهم مع الرأي والرأي الآخر، وأنهم مع الحوار... إلخ؟! تلك الهرطقات التي سريعًا ما تتلاشَى إذا كان ذلك الآخر عالِمَ دينٍ، أو داعيةً إسلاميًّا، أو كاتبًا ملتزمًا بدينِه وشريعته.

لماذا تتَّسع صُدُورهم لكلِّ أحدٍ إلا للإسلاميين؟! ولماذا يفْتحون صفحات صُحُفهم ومجلَّاتهم لكلِّ أحد إلا للإسلاميين؟! ولماذا يتحَاوَرُون مع كلِّ أحد إلا مع الإسلاميين؟! ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [النور: 50].

شنَّت الدكتورة حسناء هُجومها الضاري على ذلك الرَّجُل الفاضل، الداعية المخلص لهذه البلاد وأهل هذه البلاد، ولَم تسمِّه استصغارًا لشأنه، واحتقارًا له؛ لكنه - رغم تجاهُلها له - معروفٌ عند مَن يعرف قيمته، ويعلم جهوده في سبيل الخير ونشره وتعميمه، وركَّزت أسباب ذلك الهجوم في سببٍ واحدٍ ليس غير، هو أنه "غير سعودي"، ونسيَتْ أو تناسَتْ - وهي الأكاديمية التي ينبغي أن تزنَ الأمور بميزان العقل والعلم - أنه مُسلم أولًا، ثم عربي ثانيًا، ثم إنه مُقيم في هذه البلاد منذ نعومة أظفاره، ولم يغادرها إلى غيرها منذ وطئتْ أقدامُه أرضَها، فما الذي يمنع - وهو بهذه الصفة - أن يُعبِّر عن رأيه؟! وأن يقول ما يعتقد؟! ولماذا الحجْر عليه في ذلك؟! ثم - وهذا هو المهم - لماذا هو فقط؟! أين أنتم - يا معاشر "التنويريين" - من أناس غير سعوديين استباحوا صفحات صحفنا، وقنوات تلفزيوناتنا، يكتبون ما يُريدون، ويُعَبِّرون عما يعتقدون، وإن كان ما يكتبونه أو يعبرون به يتناقَض مع عقيدة أهل هذه البلاد وشريعتها؟!

أين أنتم يا معشر "الهلاميين" ممن يدسُّ أنفه في شؤوننا، ويَتَدَخَّل في أمور مجتمعنا، ويحض على تثوير المجتمع ضد دينه وعقيدته وأخلاق أهله وذويه؟!
لقد تسنَّم بعضهم - وهو على غير دين أهل هذه البلاد - رئاسة تحرير صحف يعتبرونها مهمة، كـ"الشرق الأوسط"، و"الحياة"، فلماذا لَم ترتفع عقيرتكم ضده، وهو غير سعودي؟! أم أن المشرب واحد؛ لذا لم يكنْ هناك إنكارٌ ولا استعداء؟!
أين أنتم من ليلى الأحدب "السورية"، وهي تكتب صباح مساء ضد معتقد أهل هذه البلاد، وقيمهم، وتتدخل في شؤونهم؟! أين أنتم من فاتن العصفور "الفِلَسْطينية"، وهي كذلك؟!
أين أنتم من اليهودي "توماس فريدمان"، وبعض صحف بلادنا تستكتبه مفتخرةً بكتاباته؟!
أين أنتم من خالص جلبي "السوري" هو الآخر، وهو يطالعنا بكتاباته في بعض صحفنا التي تطعن في دين هذا المجتمع وشريعته وعاداته وتقاليده؟!

كل هؤلاء وأمثالهم يناقضون بكتاباتهم عقيدة هذه البلاد وشريعتها، ويسخرون من عادات أهلها وتقاليدهم، ومع ذلك فهم مُرحَّب بهم مِن قبَل رواد التغريب في بلادنا، المناهضين مثلهم للخطاب الديني المعتمد على: "قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم".

تأخذ حسناء على الشيخ الفاضل ردَّه على أحَد المتكلمين في موضوع الاختلاط، ممن يوافق هواها، ويتفق مع رأيها فيه، فهل هناك حجْر على الآراء أكثر من هذا؟! وتقول: إنه قد وصف ذلك المتكلم بأنه يُعِين المنافقين على إشاعة الاختلاط، وأنه لذلك غير مؤتَمن على المسلمين.

ولكي أريح الكاتبة الفاضلة، وأهدئ مِن روعها، أؤكد لها أن ذلك هو ما أعْتَقِدُه أنا أيضًا، وأنا ابن وطنها المشترك معها في الانتماء إليه؛ إذ أُقرر - وبكلِّ وضوح - أن مَن لا يرى بأسًا بأن يختلط الرِّجال بالنساء لغير ضرورة، ويُجيز أن تأخذ المرأة بيد الرجل الأجنبي عنها، وأن تفلي رأسه لا يستأمن على أعراض المسلمين، فبِمَ ستصفني؟! وماذا ستقولُ عنِّي؟!

أما سؤالها عن: بِمَن يحتمي الشيخ؟
فجوابه: أنه وكلُّ مسلم مخلص لدينه، مبلِّغ لشرع ربه، إنما يحتمي بالله أولًا وأخيرًا، ويستعيذ به صباح مساء مِن شرِّ كلِّ ذي شر، مِن جميع خلق الله.

وبكل استعجال وعدم تثبُّت - وهي صفات تتنافَى مع نيْل أعلى الشهادات العلمية - تحكم الكاتبة - هداها الله - على الشيخ الفاضل بأنه قد أفتى بقتْل ميكي ماوس، وأن فتواه تلك قد تسبَّبَتْ في تشْويه صورة المملكة؛ حيث التَقَطَتْها شبكات التلفزة الأمريكية، الأمر الذي اعتبر مسألة مُسيئة للسعودية، هي في غنى عنها.

ولو كان المتعَجِّل بمثْل هذا الكلام غير أكاديمي، يحمل أعلى الشهادات العلمية، لَمَا اهتَمَمْنا بذلك، أمَّا أن يصدرَ هذا عن أكاديمية بإحدى جامعاتنا، فإنَّ ذلك مما يثير الحفيظة، ويدعو إلى القلق على مستوى "أكاديميينا" - أصلحهم الله.

فهذا الكلام باطل؛ لأنه مبني على باطل؛ لأن الشيخ المذكور لم يفتِ أصلًا بقتْل "ميكي ماوس" ولا غيره، وكل ما في الأمر أنه كان يتحدث في برنامج له بقناة المجد، يسمى: "الراصد"، عن الأشياء المشغلة لأطفالنا، والمؤثرة على عُقُولهم وسلوكياتهم، ومرَّ على ذكر "ميكي ماوس" ضمن ذلك الحديث، لا أقل ولا أكثر.

فالتقطتْ شبكات التلفزة الأمريكية وغيرها منَ التلفزة المعادية لنا ولديننا وقيَمنا كلامَه ذاك، فحوَّرت فيه، وغيَّرتْ، وبدَّلتْ، وحمَّلت الكلام ما لا يحتمل، وزادتْ ونقصتْ؛ لشيء بل لأشياء في أنفسهم، ولا غرو في ذلك، فهم أعداء متربِّصون، لا يُريدون فينا دعوةً ولا دُعاة، ولا هم ملتزمون بدينهم، ولا التزامًا بذلك الدين، بل إن الله قد أخبرنا عنهم عز وجل بقوله: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ [النساء: 89]، أفتأتي هذه الأكاديمية المسلمة التي تنتمي لِمَوئل الإسلام، ومشرق نوره، ومأرزه في آخر الزمان، فتدَّعي - دون تثبُّت - أن الشيخ قد أفتى، ثم تصدِّق التلفزة الأمريكية، التي لَم تصدّق بخبر؛ حيث التقطتْ كلام الشيخ وحوَّرته وغيَّرَتْه ليُوافق ما في نفسها من الكره للإسلام والبغضاء لدُعاته وأهْله؟!

أَلَم تعلم "الحسناء" أن الشيخ - وفقه الله - قد فنَّد ما أشيع عنه، وكذَّب ما ادُّعيَ عليه مرارًا وتكرارًا في برنامجه في قناة المجد، وفي بعض محاضراته، وفي موْقعه الشخْصي؟! أم أن الأمر على طريقة (عنز ولو طارت)؟! فإن يكن الأمر كذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

وتستشيط الدكتورة حسناء غضبًا من الشيخ؛ بسبب أسلوبه المنتظم للخروج على التلفزيونات المتنوعة، ومواقع الإنترنت التابعة له، وتدخله بكلِّ صغيرةٍ وكبيرة، والفتاوى التي يصدرها، الأمر الذي يجعله دائمَ الحضور وبطرق متعددة، ثم تختم هذا الكلام بقولها: "لا شك أن هذا وأمثاله يستفيد من حالة التشرذُم التي يعيشها بعضنا، فوَجدوا في اختلافنا وسيلة لشَقِّ الصف؛ تحريضًا وتأليبًا، فكيف يُسكَت عن هؤلاء؟!".

وأقول بداية: اتقي الله يا حسناء، ولا يجرمنَّك بُغضك للشيخ على قول غير الحق فيه؛ فإنَّ الله يخاطبك ويخاطب كل مسلم ومسلمة بقوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8].

فإن كنتِ تريدين الأقرب للتقوى، فاعدلي في حكمك على مَن أحببتِ، ومَن أبغضتِ، فخروج الشيخ على التلفزيونات ومواقع الإنترنت جُهدٌ مبارَك، يُحسَب له، ويُشكَر عليه، فهو لا يخرُج إلا مُعَلِّمًا مَوُجِّهًا مرشدًا، داعيًا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فهل تؤاخذينه على ذلك؟! وهل تعيبينه به؟! وهو لا يُصدر فتاوى، فللفتاوى جهتها المعتبرة، لكنه يُجيب عن أسئلة تُوَجَّه إليه ثقة به وبعلمه وصدقه في دعوته، والإجابة عن السؤال واجبة إذا كانتْ مما يعلمه المسؤول؛ مصْداقًا لقولِ الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَن سُئل عن عِلم فكتمه، أُلْجِم بلجام من نار))، فلا يَجُوز كتْمُ العِلْم إذا سُئِل مَن يعْلم.

أما عبارتك: "وتدخُّله بكلِّ صغيرة وكبيرة"، فهي تحتاج إلى إثبات، وإلا فهي مِن رمْي الكلام على عواهنه، وهو أمر لا يليق بالأكاديميين وأصحاب الشهادات العليا، أليس كذلك؟!



بواسطة : الشيخ عبدالله بن حمد الشبانة
 0  0  176

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:37 مساءً الخميس 5 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم