• ×
الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
أبي الفداء الجهني

الأسباب الشرعية لحفظ العبد

image




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ أما بعد:
قد اقتضت حكمة الله تعالى، وسنته في الدنيا، انتشار أسباب الشر؛ واقتضت أيضًا حكمته ورحمته بالإنسان، أن جعل لأسباب الشر وكل المكروهات والمخوفات، أسبابًا أخرى تقابلها وتدفعها؛ فتحفظ الإنسان وتحرزه من الشر، وتدفع عنه ذلك المكروه
قد تكون أسبابًا حسية؛ كالحصن يحفظه من الأعداء، وكالدرع تحفظه من الجراح.
وقد تكون أسبابًا شرعية:
أي أسبابًا دلت النصوص الشرعية، أنها سببٌ في حفظ العبد من الشرور والآفات؛ إذا أخذ بها ولم يهمل حظه منها.
أسبابًا لا يتخلف أثرها، ولا تغيب ثمرتها؛ درعٌ متين، وحصنٌ حصين؛ لا تخترقه الشرور، ولو طالت به الأيام والدهور.
إن الإنسان في أصل خلقته ضعيف، تتطرق إليه الشرور والآفات، والحياة بما جبلها الله عليه، مليئةٌ بأسباب ذلك. ولو نظر الناظر من حوله لأدرك أن هناك عشرات بل مئات، ما قد يكون سببًا لحدوث المكروه والبلايا، لو قُدّر ذلك؛ وما أُعطي العبد عطاءً، بعد اليقين خيرًا من العافية؛ كما قد جاء عن نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

فكم من بلاءٍ وشرٍ قدم، فلم يجد له درعًا يرده؟ أو حصنًا يمنعه؟ فأصاب صاحبه وأعطبه، ولو قد وجد البلاء حصنًا منيعًا، لارتطم به وتلاشى؛ فحليٌ بالمسلم أن يتحصن بحصن الأسباب الشرعية، قبل أن يبحث عن الحصون الحسّية، وألا يغفل الأخذ بها، ولو كثرت المشغلات؛ بل يجعلها عنده من أولى الأولويات.
وقد جاءت النصوص الشرعية؛ تبين تلك الأسباب وتوضحها، وتبين آثارها، وترغّب في الأخذ بها

فمن ذلك الدعاء، كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}؛ فبالدعاء يُنال كل محبوب، ويُدفع به كل مكروهٍ وسوء، بل هو من أعظم الأسباب في نيل ذلك.
وقد كان الأنبياء والصالحون من بعدهم، يلجئون إليه عند خوفهم من شرٍ قريب؛ كما أخبر الله تعالى عن موسى -عليه الصلاة والسلام-: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}؛ وكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلجأ إلى الدعاء، عند لقائه العدو؛ كما قد جاء في أحاديث كثيرة.

ومن الأسباب أيضًا:

التوكل على الله تعالى؛ وهو صدق الاعتماد على الله تعالى، في جلب المنافع أو دفع المضار، مع كمال الثقة به سبحانه؛ وقد أخبر الله تعالى، عن ثمرة التوكل في كتابه فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}؛ فالله كافٍ كل من توكل عليه حق التوكل، من كل الشرور والمضار، ومن كل أذًى وسوء. وقد كان الأنبياء يتحدون أعداءهم من المشركين، أن يوصلوا إليهم الضرر؛ وسلاحهم في ذلك التوكل.
فهذا هودٌ -عليه الصلاة والسلام- يتحدى قومه، ويقول لهم: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

وقال نوحٌ -عليه الصلاة والسلام- لقومه: {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ}. وكم حفظ الله عبدًا بالتوكل واليقين؛ حتى لم يقدر الخلق، على أن يوصلوا إليه مثقال ذرة من ضرر.

ومن الأسباب أيضًا:

استيداع الله تعالى؛ والمراد منه: طلب إيداع ما يُخاف عليه، ويُراد حفظه عند الله تعالى، من الأمور الحسّية والمعنوية؛ وذلك عن طريق التلفظ بذلك، مع حضور القلب واليقين. فقد ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله إذا استُودِع شيئًا حفظه) رواه ابن حبان.
وثبت عند أحمد؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال لرجل: (تعال أودعك كما ودعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو كما ودع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ استودعتك الله الذي لا يضيع ودائعه)؛ فتكل حفظ كل ما تريد حفظه إلى الله، وتتبرأ من حولك وقوتك في حفظه.

ومن الأسباب أيضًا:

حفظ الله في أوامره ونواهيه وحدوده، وهذا من أهم الأسباب في حفظ العبد؛ فإن الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله في أمره ونهيه وحدوده؛ حفظه الله من شر ما يخاف ويحذر. فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن عباس: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك...)
رواه أحمد والترمذي.
ومعنى (احفظ الله): أي احفظه في أوامره، بفعلها على الوجه المطلوب، وبنواهيه باجتنابها، وبحقوقه وعبوديته بالقيام بها، وبحدوده بالابتعاد عنها وعدم تعديها؛ كما قال تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}.

ومن الأسباب أيضًا:

نيل معيّة الله تعالى؛ ونيل معيّة الله يكون بالعمل بالأمور، التي جاءت النصوص الشرعية بإثبات معية الله لعاملها؛ كما قال تعالى: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}.
ومن آثار معيّة الله الخاصة، حفظ العبد ونصرته وإعانته؛ قد كان الأنبياء يركنون على معية الله لهم، في حفظهم من شر أعدائهم؛ كما قال تعالى عن نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وقال عن موسى -عليه الصلاة والسلام-: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، وقال تعالى عنه وعن هارون -عليهما الصلاة والسلام-: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}.

ومن الأسباب أيضًا:

كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أُبيّ بن كعبٍ -رضي الله عنه- قال: (قلت: يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: (ما شئت). قال: قلت الربع؟ قال: (ما شئت؛ فإن زدت فهو خيرٌ لك). قلت: النصف؟ قال: (ما شئت؛ فإن زدت فهو خيرٌ لك). قال: قلت: فالثلثين؟ قال: (ما شئت؛ فإن زدت فهو خيرٌ لك). قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (إذًا تُكفى همك، ويُغفر ذنبك)) رواه الترمذي. وفي روايةٍ عند أحمد: (إذًا يكفيك الله ما أهمك، من دنياك وآخرتك).
قال الشوكاني معلقًا عليه، في (تحفة الذاكرين): (في هاتين الخصلتين، جماع خيري الدنيا والآخرة؛ فإن من كفاه الله همه، سلم من محن الدنيا وعوارضها لأن كل محنةٍ لا بد لها من تأثير الهم، وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه، سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبق العبد فيها إلا ذنوبه). انتهى كلامه -رحمه الله-.
وهموم الإنسان؛ لا تخرج عن خيرٍ يريد أن يحصله، أو شرٍ يريد أن يدفعه؛ وكثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- سببٌ في كفاية تلك الهموم.

ومن الأسباب أيضًا:

الصلاة أول النهار أربعًا؛ فقد ثبت عن أبي الدرداء وأبي ذر -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله -عزَّ وجلَّ-: يابن آدم! صلِ لي أربع ركعاتٍ من أول النهار، أكفك آخره) أخرجه الترمذي؛ فأفاد الحديث، كفاية الله تعالى لمن صلى هذه الأربع، إلى آخر النهار، وكفايته تتضمن حفظه.
واختُلف في هذه الأربع؛ فقيل: هي صلاة الضحى. وقيل: صلاة الفجر وسنتها.

ومن الأسباب أيضًا:

قراءة آخر آيتين من سورة البقرة؛ وهي قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ...} إلى آخر السورة. وهاتان الآيتان ورد فيهما فضائل، ومن تلك الفضائل، أنهما سببٌ لكفاية العبد من كل شرٍ وأذى؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ بالآيتين، من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه) رواه الشيخان، عن أبي مسعودٍ -رضي الله عنه-. والمراد (بكفتاه): أي كفتاه من كل سوءٍ وشر؛ ففي هذا الذكر، يكفيه الله حوادث الليل، وفي الذكر الذي قبله، يكفيه الله حوادث النهار؛ فباجتماعهما يكفيه الله حوادث الليل والنهار.

ومن الأسباب أيضًا:

قول (حسبنا الله ونعم الوكيل)؛ أي كافينا الله تعالى ،وهو نعم من يُتوكل عليه؛ قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}؛ فهم بتلك المقولة، رجعوا بنعمةٍ من الله وفضل، لم يمسسهم سوء، وحفظهم الله تعالى بها.
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)؛ قالها إبراهيم -عليه السلام- حينما أُلقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ})
رواه البخاري.

ومن الأسباب أيضًا:

التعوّذ بالله تعالى من الشرور؛ والاستعاذة بالله: هي الالتجاء والاعتصام به سبحانه، مما يُخاف شره وضرره؛ وهي سبب عظيم في الحفظ، والعصمة من شر كل ذي شر، إذ هي تتعلق بالله تعالى مباشرة؛ ولهذا جاءت نصوصٌ كثيرةٌ، في القرآن والسنة، بالأمر بالاستعاذة بالله تعالى، والحثّ عليها؛ وشرع النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا من الأذكار، التي فيها الاستعاذة من الشرور، على اختلاف أجناسها؛ وما ذاك إلا لعظم أثرها.
وجاء في صحيح البخاري، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (إن ابنة الجون، لما أُدخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك))؛ وفي رواية أبي أُسيد، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لقد عذت بمعاذ)؛ أي ملجأ، فالاستعاذة بالله تعالى، ملجأٌ وحصنٌ للعبد من كل الشرور.
وأفضل ما يُستعاذ به هم المعوّذتان؛ فقد جاء عن أبي عبد الله بن عابس الجهني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يا ابن عابس! ألا أدلك، أو ألا أخبرك بأفضل ما يتعوّذ به المتعوذون؟) قال: بلى، يا رسول الله! قال: ({قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}

و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}؛ هاتان السورتان)). رواه النسائي.

ومن أهم الأسباب أيضًا:

المداومة على أذكار الصباح والمساء، وهي سببٌ عظيمٌ في حفظ العبد؛ لما تحويه من أخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك. فمما ثبت في ذلك، مما يتعلق منها بالحفظ؛ قراءة سورة الفلق وسورة الناس.
فقد جاء عن عبد الله بن خبيب -رضي الله عنه- قال: (كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طريق مكة، فأصبت خلوةً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدنوت منه؛ فقال: (قل). فقلت: ما أقول؟ قال: (قل). قلت: ما أقول؟ قال: ({قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} حتى ختمها)، ثم قال: ({قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} حتى ختمها)، ثم قال: (ما تعوّذ الناس بأفضل منهما)) أخرجه أبو داود.

ومن ذلك أيضًا:

ما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدع هؤلاء الكلمات، حين يمسي وحين يصبح؛ اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهل ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وشمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) أخرجه أبو داود. وهذا الذكر له أثرٌ؛ في حفظ الإنسان من جميع المخاطر، من جميع الجهات، التي يمكن أن يأتي إليه الشر منها.

ومن ذلك أيضًا:

ما جاء عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: (من قال إذا أصبح وإذا أمسى: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) سبع مرات؛ كفاه الله ما أهمه) رواه أبو داود وغيره، وفي رواية: (كفاه الله ما أهمه، من أمر الدنيا والآخرة).
وهذا الأثر وإن كان موقوفًا على أبي الدرداء، لكن له حكم الرفع، فإنه لا يُقال بالرأي؛ ففي هذا الذكر، كفايةٌ شاملةٌ لجميع ما يهم العبد، ويُقال فيه ما قيل من قبل، في كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ويجب في هذا الذكر؛ استحضار الأمور التي تهم الشخص، واستحضار كفاية الله تعالى لها؛ حتى يتم أثره إن شاء الله.
ومن ذلك أيضًا، قول: (أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق) في المساء؛ فقد جاء في صحيح مسلمٍ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقربٍ لدغتني البارحة! قال: (أما إنك لو قلت حين أمسيت: (أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق) لم تضرك)).

ومن ذلك أيضًا:

ما جاء عن عبد الله -رضي الله عنه- قال: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذا أمسى قال: (أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير؛ رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها؛ رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذابٍ في النار وعذابٍ في القبر)؛ فإذا أصبح قال ذلك أيضًا: (أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله...) رواه مسلم.

ومن ذلك أيضًا

ما جاء عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه- قال: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لفاطمة -رضي الله عنها-: (ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: (يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث؛ أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)) رواه النسائي والبزّار.
وهذا الذكر، له أثرٌ في إصلاح أمر الإنسان كله، ومن ذلك حفظه؛ وله أثرٌ في أن يعين الله العبد، في أموره كلها، وألا يخذله.

ومن ذلك أيضًا:

قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير) مائة مرة في اليوم؛ فقد جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير) في يومٍ مائة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان، يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به؛ إلا رجلٌ عمل أكثر من ذل)) رواه البخاري ومسلم. فأفاد هذا الحديث؛ أن من قالها حُفظ من الشيطان.
ومن ذلك أيضًا: قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير) عشر مرات، في الصباح والمساء؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير)، من قالها عشر مراتٍ حين يصبح؛ كُتب له مائة حسنة ومحي عنه مائة سيئة، وكانت له عدل رقبة، وحُفظ بها يومئذٍ حتى يمسي؛ ومن قال مثل ذلك حين يمسي، كان له مثل ذلك)) رواه الإمام أحمد.
وعن أبي أيوب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قال حين يصبح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير) عشر مرات؛ كتب الله له بكل واحدةٍ قالها عشر حسنات، وحطَّ الله عنه عشر سيئات، ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له كعشر رقاب، وكن له مَسْلَحةً، من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذٍ عملٌ يقهرن؛ فإن قال حين يمسي، فمثل ذلك)
رواه الإمام أحمد.

ومعنى المَسْلَحة: أي كنَّ له حرسًا، يحفظونه ويدفعون عنه الأذى.

ومن الأسباب أيضًا:

الذكر عند نزول المنزل، سواءً كانت الإقامة في المنزل دائمةً أو طارئة؛ فقد جاء عن خولة بنت حكيم -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من نزل منزلًا ثم قال: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)؛ لم يضره شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك) رواه مسلم.
ونفي الضرر لا يستلزم نفي الأذى؛ فإن الشخص قد يتأذَّى، ولكنه لا يتضرر، قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى

فقد يتأذّى الشخص بنحو لدغ عقربٍ أو غيرها، ولكنه لا يتضرر بذلك.

ومن الأسباب أيضًا:

أذكار النوم؛ فإن النوم يغيب به وعي الإنسان وشعوره، وفي هذه الحالة، لا يقدر على أن يدفع عن نفسه، أي شرٍ يُراد به؛ فشرع الله لعباده أذكار النوم، ليتحصنوا بها من الشرور، فمن ذلك قراءة آية الكرسي.
ففي صحيح البخاري، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (وكلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام؛ فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال: إني محتاجٌ وعليّ عيال، ولي حاجةٌ شديدة، قال: فخليت عنه؛ فأصبحت، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟)، قال: قلت يا رسول الله! شكا حاجةً شديدةً وعيالًا؛ فرحمته فخليت سبيله. فقال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود).
فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنه سيعود، فرصدته؛ فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: دعني، فإني محتاج وعليّ عيال، لا أعود؛ فرحمته فخليت سبيله. فأصبحت، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك؟). قلت: يا رسول الله! شكا حاجةَ وعيالًا؛ فرحمته فخليت سبيله. قال: (أما إنه كذبك، وسيعود).
فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وهذا آخر ثلاث مرات، تزعم لا تعود ثم تعود. قال: دعني أعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها. قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}، حتى تختم الآية؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنّك شيطانٌ حتى تصبح؛ فخليت سبيله.
فأصبحت، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما فعل أسيرك البارحة؟). قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلماتٍ، ينفعني الله بها؛ فخليت سبيله. قال: (ما هي؟). قلت: قال لي: (إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، من أولها حتى تختم، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ})، وقال لي: (لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح) -وكانوا أحرص شيءٍ على الخير-؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أما إنه قد صدقك، وهو كذوب)؛ تعلم من تخاطب، منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟! قال: لا. قال: (ذاك الشيطان)).
ففي قراءتها عند النوم؛ يحفظ الله بها العبد حفظًا عامًا، ولا تقرب الشياطين قارئها حتى يصبح.

ومن أذكار النوم:

قراءة المعوّذات الثلاثة؛ سورة الإخلاص، وسورة الفلق، وسورة الناس، ثلاث مرات، والنفث بهم على سائر الجسد؛ فقد جاء عن عائشة -رضي الله عنها-: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما؛ فقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده؛ يفعل ذلك ثلاث مرات) رواه البخاري ومسلم.

ومن أذكار النوم:

ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفض فراشه بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: (باسمك ربي، وضعت جنبي، وبك أرفعه؛ فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها؛ بما تحفظ به عبادك الصالحين) رواه البخاري ومسلم.

ومن أذكار النوم:

ما جاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: (أنه أمر رجلًا إذا أخذ مضجعه قال: (اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتَّها فاغفر لها؛ اللهم إني أسألك العافية)؛ فقال له رجل: أسمعت هذا من عمر؟ فقال: من خيرٍ من عمر؛ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) رواه مسلم. ففي هذا الذكر والذكر الذي قبله؛ دعاء الله بحفظ النفس، إن أحياها وأبقاها.

ومن أذكار النوم:

ما جاء عن سهيل قال: (كان أبو صالح يأمرنا، إذا أراد أحدنا أن ينام؛ أن يضجع على شقه الأيمن، ثم يقول: (اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان؛ أعوذ بك من شر كل شيءٍ، أنت آخذٌ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر)، وكان يروي ذلك، عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-) رواه مسلم.

ومن الأسباب أيضًا:

ذكر الله عند دخول البيت، فعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء) رواه مسلم.

ومن الأسباب أيضًا:

الذكر عند دخول القرى والمدن؛ فعن صهيبٍ -رضي الله عنه-: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لم يرى قرية يريد دخولها، إلا قال حين يراها: (اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأراضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما درين؛ فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها))
رواه النسائي في الكبرى.

ومن الأسباب أيضًا:

صلاة الاستخارة، فيما تُجهل عاقبته من الأمور المعزوم عليها؛ فإن البشر يجهلون الغيب والمستقبل، ولا يعلمون عواقب الأمور؛ وهذا قد يكون سببًا، لحصول السوء والأذى والشرور لبعضهم؛ كما قال تعالى عن نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}.
ولما كان الله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب، شُرعت صلاة الاستخارة لهذه الأمة؛ يطلبون بها من الله تعالى، أن يختار لهم ما فيه خيرٌ لهم، من الأمور التي يجهلون عواقبها وغيبها، ويعلمها هو تعالى؛ ويصرف عنهم ما فيه شرٌ لهم، إن كان في هذا الأمر شر؛ فمن أسباب حفظ الله تعالى للعبد من الشرور، وصرفها عنه صلاة الاستخارة؛ فإن فيها الدعاء بصرف الأمر، الذي فيه شرٌ عن الشخص قدرًا، وإن أخذ بالأسباب في حصوله، وتيسير الأمر إن كان فيه خير.
وكم حفظ الله عبدًا، من أمرٍ كان مقدمًا عليه، وفيه شرٌ له وهو لا يعلم! بسبب أنه استخار الله تعالى فيه، قبل أن يقدم عليه، ولم يعتمد على حوله وقوته واختياره؛ فعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن؛ يقول: (إذا همّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب؛ اللهم إن كنت تعلم أن في هذا الأمر -ويسمي حاجته-، خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله-؛ فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن -هذا الأمر- شر لي، في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله-؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به)) رواه البخاري.

ومن الأسباب أيضًا:

التصبح بسبعة تمراتٍ من تمر المدينة، فأخرج البخاري، عن سعدٍ -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من تصبَّح بسبعة تمراتٍ عجوة؛ لم يضره ذلك اليوم سمٌ ولا سحر)، وفي رواية مسلم: (من أكل سبعة تمرات ما بين لابّتيها حين يصبح؛ لم يضره سمٌ حتى يمسي)؛ والمراد بلابّتيها: أي لابّتي المدينة، وهما الحرتان اللتان تحيطان بها؛ فأفاد الحديثان أن في التصبح بتلك التمرات، سببٌ للحفظ من السم والسحر.
هذه هي الأسباب الشرعية لحفظ العبد؛ فعل ىالمسلم أن يحافظ ويداوم عليها، ويأخذ بحظه منها؛ متوكلًا على الله أن يحفظه بها، مستحضرًا قلبه فيها، موقنًا بأثرها وثمرتها، وليبشر بكفاية الله وحفظه ووعده

فإن الله لا يخلف الميعاد: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}.
هذا والله أسأل أن يحفظنا وإخواننا وأمتنا المسلمة بحفظه، ويكلأنا برعايته، ويقينا شر كل ذي شر.


وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
 0  0  385

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:04 مساءً الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم