• ×
الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 | 07-27-1439
أ. خالد حسين إسماعيل

تأملات في آيات بينات


تأملات في آيات بينات
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [سورة محمد: 22، 23].


﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: 22].

من المخاطَب في الآية؟

قال ابن الجوزي رحمه الله: في المخاطب بهذا أربعة أقوال: أحدها: المنافقون، وهو الظاهر، والثاني: منافقو اليهود، قاله مقاتل، والثالث: الخوارج، قاله بكر بن عبدالله المزني، والرابع: قريش، حكاه جماعةٌ، منهم الماوردي [1].

قال ابن عاشور: مقتضى تناسُق النَّظْم أن هذا مفرَّع على قوله: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 21]، فتكون إتمامًا لما في الآية السابقة من الإنباء بما سيكون من المنافقين يوم أُحُد، وتجاوَزَ بعضُهم ذلك فأخذ يدَّعي أنها نزلت في الحرورية، ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل الشيع والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمَّله، ومن قصْرِ عمُوماته على بعض ما يُراد منها[2].

وقال القرطبي رحمه الله بعد قول بكر المزني أنها نزلت في الحرورية والخوارج: وفيه بُعْد، والأظهر أنه إنما عُني بها المنافقين[3].

معنى التولية والفساد في الأرض:

﴿ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: 22]:

اختُلف في معنى التولية والفساد في الأرض على معنيين: فقيل: من الولاية، وقيل: من الإعراض عن الشيء، وقد ذكر الألوسي رحمه الله المعنيين فقال: فهل عسيتم إن توليتم أمورَ الناس وتأمَّرتم عليهم، فهو من الولاية، وفسَّر بعضُهم التولِّيَ بالإعراض عن الإسلام؛ أي: فهل عسيتم إن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا ووَأْد البنات[4].


وقال ابن عجيبة رحمه الله: لعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاوُر والتناهُب، وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا، ثم ذكر تولَّيتم بمعنى الولاية، فقال: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمَّرتم عليهم أن تُفسدوا في الأرض، تَفاخرًا على الملك، وتهالكًا على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدةٌ بذلك من خراب الدين والحرص على الدنيا [5].


فبِناء على أن معنى تولَّيتم الولاية، قال أبو العالية: فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجُعِلتم حُكَّامًا: أن تُفسدوا في الأرض بأخذ الرُّشا؟ [6].


وقال كعب الأحبار: فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يَقتُل بعضُكم بعضًا؟ [7].

وقال الكلبي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تُفسدوا في الأرض بالظُّلم؟ [8].


وقال المسيب بن شريك والفراء: فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض
بالظلم [9].

وقال الضحاك: نزلت في الأمراء، فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض؟ [10].


وبناء على المعنى الثاني، قال ابن جريج: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام؟ [11].


وقال قتادة: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام،وتقطعوا أرحامكم؟[12].


وفي رواية: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولَّوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟ [13].


قال ابن عاشور رحمه الله مُعلِّقًا ومُرجِّحًا: فالتولِّي هنا هو الرجوع عن الوجهة التي خرجوا لها كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 246]، وقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴾ [النجم: 33]، وبمثله فسر ابن جريج وقتادة على تفاوتٍ بين التفاسير، ومن المفسِّرين من حمل التولِّيَ على أنه مطاوع وَلَّاه إذا أعطاه ولايةً؛ أي: ولاية الحكم والإمارة على الناس، وبه فسر أبو العالية والكلبي وكعب الأحبار، وهذا بعيد من اللفظ ومن النَّظْم، وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام، وانتقال بدون مناسبة[14].


وقال ابن كثير رحمه الله: فهل عسيتم إن تَولَّيتم عن الجهاد ونكلتم عنه تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجَهْلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام؟[15].


وقال البغوي: فهل عسيتم إن تَولَّيتم - أي: أعرضتُم - عن القرآن وفارقتم أحكامه أنْ تُفسِدوا في الأرض وتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية؛ فتفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء، وترجعوا إلى الفُرْقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام؟[16].


وقال الطبري رحمه الله: لعلكم إنْ تولَّيتم عن تنزيل الله جلَّ ثناؤه، وفارقتم أحكام كتابه، وأدبرتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وعمَّا جاءكم به - أنْ تُفسدوا في الأرض؛ بأن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء، وتُقطِّعوا أرحامكم، وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتُّت والتفرُّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألَّف به بين قلوبكم[17].


﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد: 23]:

قال القرطبي رحمه الله: طرَدَهم وأبعَدَهم من رحمته، فأصمَّهم عن الحق، وأعْمى قلوبهم عن الخير، وأنَّ من فعل ذلك حقَّت عليه لعنتُه، وسلَبَه الانتفاعَ بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحقِّ وإنْ سمِعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل، ورجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك [18].


وقال الطبري رحمه الله: هؤلاء الذين يفعلون هذا - يعني الذين يفسدون ويقطعون الأرحام - الذين لعنهم الله، فأبعدَهم من رحمته، ﴿ فَأَصَمَّهُمْ ﴾ [محمد: 23]؛ يقول: فسلبهم فَهْمَ ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله في تنزيله، وأعمى أبصارَهم وسَلَبَهم عقولَهم، فلا يتبيَّنون حُجج الله، ولا يتذكَّرون ما يرون من عبره وأدلَّته [19].


وقال ابن عجيبة رحمه الله: أولئك المذكورون - فالإشارة إلى المخاطبين - إيذانًا بأن ذِكْر مساوئهم أوجَبَ إسقاطَهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، لعنهم اللهُ فأبعدَهم عن رحمته، وأصَمَّهم عن استماع الحقِّ والموعظة لتصامُمِهم عنه بسوء اختيارهم، وأعمى أبصارهم لتعاميهم عمَّا يُشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفُس والآفاق [20].

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.


المصادر والمراجع:

1- البحر المديد في تفسير القرآن المجيد؛ لابن عجيبة.

2- التحرير والتنوير؛ لابن عاشور.

3- تفسير ابن جريج.

4- الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي.

5- جامع البيان عن تأويل آي القرآن؛ للطبري.

6- زاد المسير في علم التفسير؛ لابن الجوزي.

7- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني؛ للألوسي.

8- معالم التنزيل؛ للبغوي.

9- النكت والعيون؛ للماوردي.

[1] يُنظر: زاد المسير في علم التفسير 7/ 407.

[2] يُنظر: التحرير والتنوير 26/ 111-112.

[3] يُنظر: الجامع لأحكام القرآن 19/ 273.

[4] يُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 26/ 68-69.

[5] يُنظر: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 5/ 371.

[6] يُنظر: النكت والعيون؛ للماوردي 5/ 302.

[7] يُنظر: الجامع لأحكام القرآن؛ للقرطبي 19/ 273.

[8] يُنظر: النكت والعيون؛ للماوردي 5/ 301.

[9] يُنظر: معالم التنزيل؛ للبغوي 7/ 287.

[10] يُنظر: بحر العلوم؛ للسمرقندي 245.

[11] يُنظر: تفسير ابن جريج 311.

[12] يُنظر: النكت والعيون؛ للماوردي 5/ 302.

[13] يُنظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن؛ للطبري 21/ 213-214.

[14] يُنظر: التحرير والتنوير 26/ 112.

[15] يُنظر: تفسير القرآن العظيم 7/ 317-318

[16] يُنظر: معالم التنزيل 7/ 287.

[17] يُنظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 21/ 213.

[18] يُنظر: الجامع لأحكام القرآن 19/ 275.

[19] يُنظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 21/ 215.

[20] يُنظر: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد 5/ 372.
بواسطة : أ. خالد حسين إسماعيل
 0  0  80

المقالات شرعية

أكثر

الحجب العشرة بين العبد وبين الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه...


الحمد لله و كفى والصلاة و السلام على رسوله المصطفى و بعد فإن رمضان شهر لطالما حنت إليه...


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع...


جديد الأخبار

عنوان الكتاب: الفتوى الحموية الكبرى المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس المحقق: حمد بن عبد المحسن التويجري حالة..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:51 مساءً الأربعاء 4 ذو الحجة 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع حقوق الاستفادة ممنوحة لكل مسلم